فأنّى للبدرِ أن يخفُت له سنـاءٌ؟
زينة القمرِ سَناه وزينةُ المرءِ فَاهُ
حين طلبَ نبيُّ الله إبراهيم أن يجعلَ له لسان صدقٍ في الآخرين، ما أراد ذكرًا يُذكر فيُبتذل ولا قولاً يُتلى فيُهمل بل سأل ربَّه مقامًا تُخلَّد فيه المعاني، وتُروى به السِّيَر، وتُبعث به القلوب كلما مرّ عليها اسمه، لم يطلب ثناءً يُعلَّق على الجدران، ولا سمعةً تُزيَّن بها المجالس، بل سأل سيرةً زكيّة، طيّبةَ الأثر، باقيةً في وجدان الناس، تُزهر إذا ذُكرت، وتَرقُّ لها القلوب، وتُصدِّقها العقول، ويَستحضرها أولوا الألباب كلما مضى بهم الزمن وتقلّبت الأحوال. وإنها لنعمةٌ أن يَروي المرء قلوب من حوله، فيجتمع الناس كما تجتمع المياه في النبع الصافي، فلا يُردّ السائل ولا يُنسى الذاكر. فمن صدق قوله وطاب ذكره، أحبَّه الخلق وقُبِلَ في الأرض. ومن ساء لفظه وضاق صدره، ساءت معيشته وكانت كليلةٍ غاب عنها القمر.
وتقول ألسنةُ العُلماء إنّ الأصوات لا تبيد ولا يطول عليها الفناء، بل هي ذبذباتٌ تسبح في الفلك وتهيم في الفضاء، تخفُّ مع الأيام، ولا تزول زوال النسيان. فضحكاتُنا التي جرت، وكلماتُنا التي قيلت، وأنفُسنا التي نطقت، لها في سماء الله أثر، يستقر حيث يشاء ربّ العزّة، بين نورٍ في السماء، ونورٍ في الصدور. وإن نور الصدور الكلمةُ الطيّبة، شجرةً أصلها ثابت في الأرضِ وفرعُها بين قناديلِ السماء، صاحبها مأمونُ القلب مرجوُّ الذكر تأوي إليه القلوب كما تأوي الطيرُّ إلى الرَّواض، وتسكن اليه النفوس كما تسكن العيون في الكرى، ويجتمع عليه الناس لما يجدون من سكينة في معانيه وأمان في سماعه وحقٌ على الله أن يُحيي القلوب بالكلمة الطيّبة كما يُحيي الأرض بعد موتها.
فأنّى للقمرِ أن يخبو سناه وقد فُطرَ على الضياء وجُبِلَ على الإشراق؟ وكيف يَغشى وجهًا أنارَ ظُلماتِ الليلِ غمامةُ لفظٍ عابر، لا يُبقي أثرًا ولا يُقيمُ وزنًا؟
نُعاشرُ القلوبَ الوديعة، فنألفُ منها طيبَ اللفظِ وعذبَ الحديث، حتى إذا زلّت زلّةً نُكِرَت، كأنّ الليلَ قد أرخى سدولَه بعد إشراق، أو أنّ شمسًا قد أطفأها السحابُ بغتةً، فما عادت تُنبت دفئًا، ولا تُنبئُ بالضياء. وإنّ الكلمةَ الخبيثةَ لظلٌّ كثيف، يحجب النورَ عن صاحبه، ويُظلمُ في النفسِ قبل أن يُظلمَ في غيرها. فمن ألِف السكينةَ في لسانه، ثم أطلقه على غِرّة، فقد خابَ كما يَخيبُ البدرُ إذا احتجبَ خلف الغمام، لا يُرى ضياؤه ولا يُهتدى بنُوره.
ونحن بما جُبلنا عليه، كالغيمِ إن انعقد، يثقُلُ في الأنفس، وكالنسيمِ إن مَرّ، يتركُ في الأرواحِ أثرًا لا يُنسى. نقيمُ في القلوبِ حينًا بغير استئذان، ثم نمضي عنها كما يمضي الحلمُ عند الصباح، فلا نُبقي إلا الذكرى. يُوحِشُنا فراغُ الوحدة، وتُربكنا كثافةُ القرب، نشتاقُ إلى الناس فإذا دنَوا خِفنا، وإذا ابتعدوا افتقدناهم. تلكَ سجيّةُ الإنسان، تتقلبُ به الأيامُ بين شوقٍ ووَجَل، وبين أنسٍ ووحشة، حتى إذا أدرك أنّ الطمأنينةَ لا تُنالُ بكثرةِ القُرب، ولا بطولِ البُعد، علمَ أن السلامَ مقامٌ في القلب، لا ينالهُ إلا من رضي، ولا يَسكنُ فيه إلا من عَرَف.
وأدرك أن الكلمةَ الخبيثةَ تطاردُ صاحبها حيثما حلّ، حتى يعضَّ على أنامله من الندم، فلا عتبٌ يجبر، ولا عذرٌ يُقبل، ولا أثرٌ يُمحى. فقد جرى القضاء بنورِ الحق، ومضى الأمرُ بحكمة الله، أن نرجوه كما رجاهُ إبراهيم، ونقول:
“ربّنا اجعل لنا لسانَ صدقٍ في الآخرين”
اجعلنا نجومًا يهتدي بها التائه، وأشجارًا يستظلّ بها العابر، وأمطارًا تُحيي القلوب الجدباء، اجعلنا من الذين يُذكَرون بخير، وتبتهج بذكرهم الأرواح، وتأنس بهم القلوب. اجعلنا ممن إذا نُطق اسمُه أزهرت الأرض، وإذا غابَ جسدُه بقيَ أثرُه، وإذا خفَت صوتُه لم يخفت صِدقُه. اجعلنا من الذين يُحسنون القول، ويجبرون الخاطر، ويسيرون بين الخلق بالرفقِ والنور، ويتركون وراءهم طيبًا لا يُنسى.

