لن تتطوّر دُفعةً واحدة.. فالشَّمسُ لا تقتحِمُ الفَجر قسرًا
رُويدًا.. فما أبطأُ الضِّياءُ إلا ليُربي فيك الصّبر
ماذا لو كنتَ تُحدِّق في السماءِ ليلًا، وقد استقرَّ الليلُ على أكتافِ الكون سكونًا عميقًا، والنجومُ مبثوثةٌ فيه كحباتِ ضياءٍ صامتة، ثم فجأةً أشرقتِ الشمسُ دفعةً واحدة؟ لا ريبَ أنّ عينيك ستنطبقان قسرًا من شدّة هذا السَّنا، فالبصرُ لم يُهَيَّأ بعدُ لاستقبال هذا الفيض من النور. لكنّ لهذا الكون تدبيرًا دقيقًا لا يختلّ؛ فالشمسُ لا تُفاجئ العالم بضيائها، بل تتسلّل إليه شيئًا فشيئًا. تسبقها خيوطٌ رفيعة من الفجر، ثم يلين الأفقُ قليلًا، ثم يتّسع الضوء في بطءٍ مهيب، حتى إذا ارتفعت الشمسُ كانت العيون قد اعتادت النور، والكون قد استعدّ لاستقباله. كأنّ الزمن — بثوانيه ودقائقه وساعاته — ليس مجرّد مرورٍ صامت، بل هو ميزانٌ خفيّ يُمهّد لكل شعاعٍ أن يولد في وقته. وهكذا هي الحياة حين نتأمّلها بهدوء؛ لا تنكشف معانيها دفعةً واحدة، بل يتكشّف وضوحها قليلًا قليلًا، حتى نجد أنفسنا وقد صرنا أبصر بما كان غامضًا بالأمس.
وهذا بعينه ما يجري في رحلة الإنسان مع تطوّره، فالإنسان لا يستيقظ صباحًا وقد صار نسخةً أخرى من نفسه، ولا ينتقل من حالٍ إلى حالٍ بطفرةٍ مباغتة؛ بل يسير في تحوّله كما تسير الشمس في صعودها: درجةً بعد درجة، وضياءً بعد ضياء. وفي كل مرحلةٍ صغيرة يكتشف في نفسه شيئًا لم يكن يراه من قبل؛ يزداد فهمًا بعد فهم، ونضجًا بعد نضج، واتّساعًا في القلب بعد ضيق. ولعلّ سرّ الدهشة في هذه الرحلة أنّها بطيئة؛ لأنّ البطء يترك للإنسان متّسعًا ليتأمّل نفسه وهو يتبدّل. فلو أنّ التحوّل وقع دفعةً واحدة، لما شعر الإنسان بجمال الطريق، ولا أدرك روعة المسافة التي قطعها بين الأمس واليوم. إنّ أعذب ما في النضج أنّه يحدث في خفاءٍ لطيف، ثم يفاجئنا بعد زمنٍ طويل بأننا لم نعد أولئك الذين كنّاهم.
وكذلك الأمر في لحظات الحزن والمصائب؛ فلو أنّ الأسى انقشع عن القلب دفعةً واحدة، لما شعر الإنسان بمعنى الفرج، ولا أدرك كيف يُشفى القلب رويدًا رويدًا، لكنّ الحزن مثل الليل لا يرحل فجأة، بل يتراجع. وفي كل يومٍ يكتشف الإنسان أنّ ثقلًا خفيفًا قد زال من صدره، وأنّ شيئًا من الضوء عاد إلى روحه دون أن يشعر متى عاد. فيلتفت إلى نفسه بعد زمنٍ فيدرك كم تغيّر، وكم صار أخفّ ممّا كان، وهذا القانون الخفي لا يخصّ الحزن وحده؛ بل يسري في الرزق، وفي الفهم، وفي النجاحات الصغيرة التي تتراكم حتى تصير حياةً كاملة. فكلّ شيءٍ في هذا الوجود يبدو كأنّه يتربّى على مهل، كما يتربّى الضوء في الفجر، حتى إذا اكتمل ظهوره ظننّا لفرط انسجامه أنّه كان منذ البدء على هذه الصورة.
فإذا كان هذا رفقُ الله بمخلوقاته الصامتة، فكيفَ بروحِكَ التي هي عنده أعزُّ وأغلى؟ إنّ الذي لم يرضَ للشمسِ أن تقتحمَ سكونَ الأرضِ بَغتةً، لن يرضى لقلبِكَ أن ينكسرَ تحت سطوةِ النورِ المفاجئ. واعلمْ أنّ الضياءَ الذي مسَّ جبينَ غيركَ اليوم، لا بدّ أن يسريَ إليك غداً في دورتِه الحتميّة؛ فالشمسُ لا تحابي جهةً دون أخرى، بل تبلغُ كلَّ موضعٍ حين يبلغُ أوانَه. وما عتمتُكَ الآن إلا انتظارٌ لِبقيّة الوهج، ذلك النور الذي يرحلُ إليكَ في صمتٍ مَهيب كما يزحفُ الفجرُ إلى أطرافِ الليلِ شيئاً فشيئاً. فطِبْ نفساً بما أنتَ فيه، ولا تبتئس بطولِ المَدار؛ فما أبطأ النورُ إلا ليأتيكَ غامراً، وما تأخرَ الشروقُ إلا ليكونَ لقلبكَ عيداً.


جمال الوصف والكلام رائع
قد لامس روحي قبل عقلي وقلبي
اسئل الله ان يبشرك بالجنة
اشكر كل شخص يكتب مقالا يخفف عن غيره به ❤️❤️☺️
Wowwww😭😭 in loveeeeeee😭😭😭 i needed to read this so bad tyyyyy✨️