لعنـةُ المُقارنَـة
من أعجبِ تناقضاتِ النفسِ البشريةِ أنها كائنٌ بصريُّ الوجود؛ يرى العالمَ من حولِه بوضوحٍ مجهريّ، بينما يظلُّ هو النقطةَ العمياءَ في رؤيةِ نفسِه. هناك مقولةٌ تقول: "إنَّ العشبَ دائماً أكثرُ اخضراراً على الضفةِ الأخرى"، وهي مقولةٌ تلخصُ فلسفةَ الإنسانِ في الحياةِ حين تقومُ على الاغترابِ عن الذات؛ فهو يقتاتُ على مراقبةِ حظوظِ غيرِه، ويجعلُ من حياةِ الآخرينَ معياراً لوجودِه، كأنَّ عينَه لم تُخلق لتبصرَ ما في كفِّه، بل لتُحصيَ ما في أكفِّ الناس. هذا الانفصالُ الشعوريُّ يخلقُ فجوةً وجودية، حيثُ يمضي المرءُ عمرَه شاردَ الذهنِ في ملكوتِ غيرِه، غافلاً عن بستانِ نفسِه الذي يئنُّ تحتَ وطأةِ الهجر، مؤمناً بوهمٍ عظيمٍ مفادُه أنَّ الآخر يمتلكُ دائماً مفتاحَ السعادةِ الذي أضاعه هو.
إنَّ السببَ الجذريّ وراءَ رؤيتِنا لثمارِ الآخرين يانعةً ومبهرة تكمنُ في خديعةِ المشهدِ المكتمل؛ فنحنُ حينَ نختلسُ النظرَ إلى حديقةِ الجار، تقعُ أبصارُنا على الحصادِ ولا تقعُ على الجهد. إننا نرى الثمارَ تدلّتْ يانعةً، لكننا لا نرى العناءَ المُرَّ الذي بذلَه في السقايةِ آناءَ الليلِ وأطرافَ النهار، ولا نُبصرُ تلك الندوبَ التي حفرتْها الفؤوسُ في كفَّيه. نحنُ نفتنُ بالنتيجةِ النهائيةِ ونغفلُ عن "مختبرِ الألم" الذي صُنعت فيه، فكلُّ غصنٍ رطيبٍ يراه الرائي، يقابلُه صراعٌ خفيٌّ مع الأرضِ والماءِ والزمن، وهو ما يجعلُ حكمَنا على اخضرارِ تلك الضفةِ حكماً سطحياً يبترُ السياقَ ويُقدِّسُ النتيجة.
وعلاوةً على إغفالِ الكدح، فإنَّ العقلَ المستغرقَ في تتبعِ نِعمِ الآخرين يُصابُ بعمىً عن المتاعبِ الخفية؛ فبينما نُؤخذُ بزهوِ الأزهارِ في أرضِ الغير، لا نرى الآفاتِ التي تفتكُ بجذورِ تلك الأرضِ خفيةً، ولا الديدانَ التي تنخرُ في صمتٍ تحتَ ذلك البساطِ السندسيِّ الجميل. إنَّ لكلِّ نعمةٍ ضريبتَها، ولكلِّ بستانٍ آفاتِه التي قد لا تظهرُ للمشاهدِ من بعيد، فربَّ حياةٍ نغبطُ صاحبَها عليها وهي تتآكلُ من الداخلِ بهمومٍ لا يعلمُها إلا الله، وكأنَّ القدرَ يمنحُ الضفةَ الأخرى لوناً براقاً ليسترَ به شحوباً يسكنُ الأعماق، مما يجعلُ تمنِّيَ أحوالِ الناسِ ضرباً من المجازفةِ بمصائرَ لا ندركُ تبعاتِها.
تتجلى خطورةُ هذا التصورِ في أنه يخلقُ حلقةً مفرغةً من عدمِ الاستحقاقِ والهروبِ المستمر؛ فالعقلُ الذي أدمنَ رؤيةَ الجمالِ في الآخر لن يرضى أبداً بما لديه، حتى وإنِ انتقلَ إلى تلك الضفةِ التي كان يرجوها. بمجردِ أن تطأَ قدماه ذلك العشبَ "الأخضرَ جداً"، سيكتشفُ أنه أصبحَ واقعاً ملموساً بكلِّ عيوبِه وتكاليفِ سقايتِه، وسرعانَ ما ستلتفتُ عيناه إلى ضفةٍ أخرى بأسلوبِ التكرارِ السيزيفي. إنه ارتحالٌ نحو هدفٍ يتحركُ كلما اقتربنا منه، لأنَّ المشكلةَ ليست في جودةِ العُشبِ الخارجي، بل في العطشِ الداخلي الذي لا يرويهِ بستان، والقلبِ الذي لا يقدّرُ قيمةَ مائِه إلا حينَ يرى سراباً يحسبُه الظمآنُ ماءً.
الحكمةَ الحقةَ لا تكمنُ في تمني حديقةِ الجار، بل في الانكفاءِ على الذاتِ لاستصلاحِ أراضينا البور. إنَّ العشبَ يكونُ أكثرَ اخضراراً حيثُ يُسقى بالجهدِ والرضا، لا حيثُ يُراقبُ بالحسرةِ والتمني. وبدلاً من إضاعةِ العمرِ في تحليلِ جودةِ تربةِ الآخرين، يجدرُ بالمرءِ أن يكونَ هو "الفلاحَ" الحاذقَ في أرضِه، فيقيها الآفاتِ ويصبرُ على سقايتِها. فمتى ما أدركَ الإنسانُ أنَّ كمالَ الصورةِ عندَ غيرِه ما هو إلا ثمرةُ صبرٍ مرّ، أو سترٌ لآفةٍ مستترة، كفَّ عن التطلعِ لما وراءِ النهر، وقرَّتْ عينُه بما قسمَ اللهُ له، يقيناً منه أنَّ الخضرةَ الحقيقيةَ هي سلامُ الروحِ لا لونُ العُشب.



ماشاء الله رائع جداً
❤️❤️❤️