لن تأتي اللحظةُ المثاليَّة.. ابدأ ولو لم يكتمِل شَيء
عن العافيةَّ التي بين يديك، لا التي تنتظرُها
أتحسبُ أنَّ للحياةِ ساعةً بعينِها، إذا أقبلت تيَسرت السُّبلُ كلُّها، وسكنت الفوضى، واصطفَّت الظروفُ طائعةً بين يديكَ، ثم قيل لك: الآنَ امضِ؟
ذلك وَهمٌ قديمٌ، ما انفكَّ الإنسانُ يُعلِّقُ عليه أعمارَه، كأنَّ ثمّة موسمًا خفيًّا تُزهرُ فيه البداياتُ وحدَها، وتُؤتَى فيه الأحلامُ أُكُلَها بلا عناء. فيظلُّ مؤجِّلًا خطوتَه، مُراهنًا على غدٍ يتخيّله أكثر خصبًا، حتى يُدرك – بعد أن يكون كثيرٌ من العمر قد انقضى – أنَّه لم يكن ينتظرُ ظرفًا أفضَل، بل كان يُؤجِّلُ مواجهةَ نَفسِه.
فالحقُّ أنَّ أكثرَ ما يُربكُ الإنسانَ ليس عُسْر الطريق، بل رهبتُه من أن يبدأ. ولهذا يَخلِقُ للتَّأجيل أسماءً يُنمِّقُه بها: فيسمّيه تروِّيًا، ويكسوه ثوبَ الحكمة، ويُلبسه هيئةَ حسنِ التدبير؛ مع أنَّ في داخلِه خوفًا يستحكمُ منه من تحمّلِ مسؤوليةِ الخطوة الأولى. وما أكثرَ ما يُقنعُ المرءُ نفسَه بأنَّه ينتظرُ اكتمالَ الظروف، بينما هو في الحقيقة ينتظرُ اكتمالَ شجاعةٍ لا تأتي إلّا بالفعل ذاته.
وما ازدهرتِ الأحلامُ يومًا في تربةٍ مكتملة. ليس في سجلِّ الحياةِ إنجازٌ عظيمٌ وُلدَ من طريقٍ ممهّد، ولا مشروعٌ خالدٌ صُنِع بضربةِ حظٍ. إنَّ الأشياءَ التي تُزهرُ فعلاً، هي تلك التي تعلّمت أن تشقَّ أرضَ القحط، وأن تستنبتَ لنفسِها حياةً لم تُهيِّئها لها الظروف. فليس اكتمالُ البيئةِ هو ما يصنعُ النَّماء، بل تِلك الإرادةِ التي تأبى أن تنتظر.
ثم من أينَ للإنسانِ هذا اليقينُ بأنَّ الغدَ سيكونُ أكرمَ من يومِه؟ أيُّ عهدٍ أخذهُ على الزمانِ حتى يطمئنَّ إلى أنَّ ما لم يُنجزه الآن سيُتاحُ له لاحقًا في صورةٍ أفضل؟ لعلَّ الغدَ يأتي مثقلًا بما لا يحتمل، ولعلَّ الذي يملكه اليوم – من صفاءِ ذهنٍ، وصحّةِ جسدٍ، وفائضِ قدرة – لا يعودُ إليه على الهيئةِ ذاتها. فيكتشفُ متأخِّرًا أنَّه أضاع أثمنَ ما كان يملك، لا لأنَّه فقده قسرًا بل لأنَّه فرّط فيه انتظارًا لوهمٍ لم يأتِ.
وليس مطلوبًا من البدايةِ أن تكونَ مهيبة؛ فكلُّ بدايةٍ تولدُ ناقصةً، مرتبكةً، متعثّرة. وما العظمةُ إلّا أثرُ التكرار، لا شرطُ الانطلاق. إنَّ الخطوةَ الأولى مهما بدت ضئيلة أفضلُ من ألفِ نيّةٍ مؤجَّلة؛ لأنَّ الإمكانَ لا يصيرُ وجودًا إلّا حين يُمسُّ بالفعل.
إنَّ العافيةَ التي تبدو لك اليوم أمرًا عاديًّا، هي في حقيقتها رأسُ المالِ الذي لا يُعوَّض؛ فابدأ ما دمتَ قادرًا، وما دام في جسدِكَ عافية، وفي قلبِكَ نبض، وفي روحِكَ بقيّةُ شغف، فإنَّ اللحظةَ المثاليّة ليست موعدًا يأتي، بل قرارًا تصنَعُه، وأنتَ في ذروةِ غناك وإن ظننتَ غيرَ ذلك.
ولذلك لا تُؤجِّل حياتكَ إلى زمنٍ تتوهّمُه أصلح، فما من لحظةٍ ستطرقُ بابَكَ وهي تحملُ ختمَ “الوقت المناسب”، إذ إنَّ تلك اللحظةَ لا تأتي، بل تُخلَق حين يقرّر الإنسانُ أن يبدأ، ولو كان الطريقُ وعرًا، والسماءُ ملبّدة، واليقينُ لم يكتمل بعد، لأنَّ ما يُسمّى بالظروف المثاليّة ليس إلا اسمًا آخر للتأجيل.
وهكذا فإنَّ أعظمَ ما قد يندمُ عليه المرء، ليس تعثّرَه في المحاولة، بل أن ينجح طويلًا في تأجيلها حتى يفوته المعنى كلّه وهو يظنُّ أنه ينتظر اللحظة المناسبة.



مبدعة كالعادة
جزاك الله خيرا