يحمل الطير في أجنحته عبرة البشر؛ فالغراب يفهم سنة الجماعة فِهمَ من جرّب الوحدة وعرف ثقلها، ويدرك أن من ضلّ طريقه لا بد أن يجد في قسوة الوقت من يرعى خَطْوه ويجبر كسره ويردّه إلى قوته. كأن في رأسه نورًا يهديه للسلامة، ويرفعه عن المهاوي فلا يتركه ينحدر إلى مواطن الضعف والخوف.
وأما الحمامة فإنها تتمسّك بجماعتها لهيبة الوحدة لا لفهم المعنى، وتلتمس القرب لتطفئ الرعب الذي يسري في جناحيها، وتسكن ارتجافها كمن يخشى أن يترك لنفسه في ساعة لا ظلّ فيها ولا سند. فهي كائن هشّ يبحث عن مأمن يحميه أكثر مما يبحث عن معنى يهديه.
وكما تتقاطع مسارات الطير في السماء، تتقاطع أرواح الناس في حياتها؛ فمنهم من يقترب ببصيرة، يعلم أن القلب لا ينهض إلا بيد تمتدّ إليه، ومنهم من يطلب القرب هربًا من الفراغ، فيتعلّق بالآخرين لا حبًا، بل خوفًا من أن يسمع صوته وهو وحيد.
ليس الوعي خصمًا للعاطفة، بل جناحها الذي يستقيم به طيرانها؛ يرفعها إن ثقلت، ويهديها إن تاهت. فالعاطفة إذا انفلتت تُلقي بصاحبها في فوضى لا قرار لها، والوعي إذا تجمّد يحوّل الروح إلى أرض جدباء، والاكتمال أن يسير القلب والعقل معًا، كما يسير الليل والنهار، يتعاقبان ليكمّل أحدهما نقص الآخر، وتعتدل بهما الحياة.
والوحدة ليست ثِقلًا على كلّ أحد؛ فهي لليقظين مرآة صافية، يبصرون فيها ما يخفى بين الزحام، ويفتحون فيها جراحًا تؤجّلها الضوضاء. ومن لم يجالس نفسه ساعة، ضاع في زحمة الوجوه، وتوزّعت ملامحه على كل عابر، كحمامةٍ يغيب عنها سربُها، فتطير ولكن باضطراب، تخفق بجناحيها ولا تدري أين تهبط.
ولا بأس أن يترك الإنسان سربًا كان بينهم، إذا اكتشف أن روحه تنمو بعيدًا عما ألفوه؛ فالمكوث في أرضٍ يتعطّل فيها الوعي نوعٌ من الذبول. ليس من العدل أن يُطفئ الإنسان ذاته إرضاءً للآخرين، ولا من الحكمة أن يملأ فراغه بأي صحبة. العدل أن يفتح قلبه لمن يضيف إليه، والحكمة أن يحفظ نفسه ممن يستنزفها، وأن يعرف متى يكون القرب رحمة، ومتى تكون العزلة نجاة.
تأمّل سرب الغربان يمضي على هدى، كل واحد يعرف موضعه، وكل حركة تحكمها حكمة خفيّة. ثم انظر إلى الحمامة في رقتها؛ لا تستقيم إلا بجوار من تألف، وإن افترقت لحظة اضطربت خطاها. فكن لطيفًا حين يلزم اللطف، ثابتًا حين يشتدّ الطريق، ولا تكن رقيقًا تستبيحه الأيدي، ولا صلبًا يكسر ما يجب أن يبقى؛ بل كن روحًا تعرف وزنها، وتحسن اختيار من يسير معها.
فالإنسان روحٌ سُوّيت خُطاها بين عقلٍ يهدي وقلبٍ يُحيي؛ وعيٌ يرسو وعاطفةٌ تجري. فإذا عرف قدر ذاته، وثبّت قدمه في مسالك وعيه، وصمد أمام ما يدفعه إلى التيه، انفرجت له الدروب التي ظنّها موصدة، ونزلت على قلبه سكينةٌ لا تُوهَب إلا لمن صدّق فطرته وآمن ببوصلة غريزته؛ غريزةِ البقاء التي تحفظه من الانطفاء. والانطفاء يبدأ حين يجد نفسه في عالمٍ لا يشبهه، حين يتبع سربًا يبحث عن الهزل بينما يبحث هو عن الجدية، يُغريه هَولُ العدد، وينسى أن المعنى هو الحريّة.
فامضِ في الناس بميزان عدل، وامضِ إلى نفسك بميزان رحمة، واجمع بينهما جمعَ من فهم أن النور لا يكتمل إلا إذا أضاء العقلُ والقلبُ معًا. وهكذا تمضي كما يمضي الطير في الهواء؛ لا يضلّه ازدحام السرب، ولا تغويه وحشة الانفراد، بل يسير على هدى، كأن بين جنبيه ضوءًا يقوده إلى ما هو أبقى وأعمق.


هذا ما يسمى إبداع إظهار المعنى على هيئة كلمات تلامس الروح ،، شكرا لك ، مقال مبهر 👍🌷🍃
مبهرة ومبدعة كعادتك وجدًا فخورة فيك