It is through science that we prove, but through intuition that we discover
- Henri Poincare
بالعِلمِ نُثبت وبالحدسِ نكتشِف
الحدسُ: عمليّاتٌ عقليّة سريعة تكشف عن معرفةٍ أو فهمٍ غريزيّ.
المنطقُ: جمعُ البيانات وترتيبها والاستدلال منها للوصول إلى نتيجة.
وبين هذا وذاك قد نَضلّ؛ فالقلبُ يميلُ إلى الحدس والعقلُ يميلُ إلى المنطق، وعليه نعلمُ باليقين ونكتشفُ بالحدس؛ نعرِفُ الدربَ الطويلَ المليءَ بالمشقّة فنختار أن نمضي فيه بوعيٍ ناقص، ونُميّز الدربَ القصيرَ الذي وإن مضى وذهب بلمح البصر، فقد جاء كنسمةٍ أنعشت ما في الروح قبل العقل.
ولمّا كان الحالُ كذلك، فقد اختلفت أنظارُ الناس في هذه القوّة الخفيّة أهي خاصّةٌ بأُناسٍ دون أُناس، أم أنّها عُمِّمت على كلِّ نفس ولكنّ أكثرَهم عنها غافلون؟ يقال إنَّ هذه الحاسّة ليست لكلِّ البشر، إذ يسيرُ أكثرُ الناس على نمطٍ واحدٍ من التفكير، بعمليّاتٍ بطيئةٍ واستجاباتٍ أبطأ. وأنّي أرى غيرَ ذلك؛ فما من نفسٍ إلا وقد لامسها هذا الإحساسُ الخفيُّ يومًا، لكنّ كثيرين أعرضوا عنه أو غفلوا عمدًا. فإذا جاء أمرُ الحدس فإمّا أن تُهملَه وإمّا أن تُحسنَ توجيهَه، فكم من مرّةٍ شعرتَ أنّ شخصًا لا خيرَ في صحبته، وأن وجوده يُفرغُ عقلَك ويُثقِلُ قلبك ويَضعُفُك عن رشدِك، ولكنك تمضي في مُرافَقته وتقول: إنّي طيّب؟ فهل الطيبةُ أن تُرهقَ نفسكَ من أجلِ من لا يستحقّ؟ أم الحكمةُ أن تضعَ للأذى حدًّا وللسذاجةِ فاصلًا؟
وإن قصُر بك الذكاءُ الاجتماعيُّ، فإنّ لجسدِك رسائلَ لا تخطئ، وإشاراتٍ خفيّةً تستشعرها روحُك، تُبصرُ الكذبَ في ملامح الوجوه فتتغافل، وتدركُ الاستغفالَ من الآخر فتتجاهل، وتجدُ في قلبك نفرةً ممّن أمامك ثم تتصنّعُ المحبّة اتّقاءً لاضطرابِه النفسيّ. ولكن الذكاءَ الاجتماعيَّ وهو الفِطنةُ في معاملة الخلق، وإدراكُ ما وراء الألفاظ والوجوه، يعينُك على أن تُميّز بين صديقٍ مخلصٍ وعدوٍّ مُتنكِّر، ويهديك إلى موضع الكلمةِ التي تصلح والسكوتِ الذي يشفي، والفعلِ الذي يُثمر. فإنّه البصيرةُ التي تكمّلُ عملَ الحدس، تُترجم الإشاراتِ المبعثرةَ إلى فهمٍ واضح، وتضبط العاطفةَ الجامحةَ بلُجام الحكمة، أليسَ من حقّ نفسِك أن تُصان، ومن حقّ روحِك أن تسلم؟
من أعماق الدماغ إلى نُورِ البصيرة
وتأتي هذه البصيرة الاجتماعية والعاطفية لتتجسّد في إشارات الجسد ولغة الملامح، فالحدس والذكاء الاجتماعي ليسا مجرد شعورٍ عابر، بل انعكاسٌ لما يجري في أعماق الدماغ، حيث تُترجم الخلايا الإشارات إلى فهمٍ يُرشِد سلوكنا ويُنير بصيرتنا. في لجّةِ الدماغ تحت الفصِّ الجبهيِّ والصدغيّ، تنكشفُ رقعةٌ بيضاويّةٌ كأنّها جزيرةٌ منعزلة، ولذلك تُدعى قشرة الجزيرة، هنالكَ تُستَقبَلُ رسائلُ الجسدِ الخفيّة؛ تُنبئك عن امتلاءِ معدتك إذا شبِعت، وتُشعرك بحرارةِ دمك إذا ارتفعت، وتُوقِدُ فيك شعورَ القلقِ أو نفرةَ الاشمئزاز. هي موطنُ الوعي الباطن، تُترجمُ أحوالَ الداخل لتجعلَ النفسَ على خَبرٍ من سرائرِ الجسد. فهي كالمرآةِ التي تُجلّي ما توارى، وكالمِفتاحِ الذي يفتحُ ما استُغلق، حتى إذا نظرَت في باطنه، وجدَت ما يطمئنُّك أو يُهيِّجك، وما يُبشِّرك أو يُنذرُك.
وأمّا القشرةُ الجبهيّةُ الأماميّة تُحصي المدخلاتِ الحسيّةَ والعاطفيّة، وتُوازن بين ما شعرتَ به وما رأيت، تُنقّبُ عن الانسجامِ في اضطرابِ اللحظة، وتُحاول أن تَفهم ما وراء الوجهِ والكلام، ويُساندها في عملها الحُصينُ واللوزةُ الدماغيّةُ؛ حيثُ تسكنُ الذاكرةُ الخفيّةُ والوجعُ المكبوت. هناك يُستدعَى كلُّ ما فات: ماذا فعل هذا الشخصُ بك في السنةِ الماضية؟ كم خيبةً كتمتَها في قلبك حين كنتَ تبتسم؟ كم مرّةً اجتازَ حدودَك التي وضعتَها له بيقينٍ وثقة؟ كم سامحتَ وأنت لا تُطيق؟ تُؤخذُ هذه التجاربُ كلُّها وتُعجنُ بالعاطفة، وتُصبُّ في اللحظةِ التي أمامك، ليُنشَأ منها توقّعٌ صامت: هذا الموقف أعرفه! هذه النبرة سمعتُها من قبل! هذا الوجه لا أطمئنُّ له!
وتأتي هذه العمليات جميعها لتتآلف في لوحةٍ واحدة، حيث يتعاقب الحدسُ مع المنطق كما يتعاقب الليل والنهار، فتتراءى الصورة كاملةً للناظر البصير، ويُدرك القلبُ ما لم تُفصح عنه العيون، ويستقر العقلُ في يقينِه، فلا يضلّ ولا يتيه. وما جعل اللهُ للإنسان قلبين في جوفه؛ فكلٌّ منهما له زمانه ومكانه، فالحدسُ يطرق القلب فجأةً، يفتح له أبوابًا ما كان يظنّها تُفتح، والمنطقُ حجّةٌ تُقام، تُشيّد لبنةً فوق أخرى حتى يكتمل البُنيان. ومن رحمة الله بعباده أنّه قسّم المواهب بينهم؛ فمنهم مَن يغلبُ عليه البصيرة، ومنهم مَن يشتدّ فيه البرهان، والعاقلُ من يمزج بينهما فإن كان حدسيًّا محضًا استعان بعقلٍ يقيم له الدليل، وإن كان منطقيًّا جامدًا التمس من قلبه ومضةً تخرجه من صلابة الفكر، فهكذا تكتمل الحكمةُ ويستقيم الميزان، حدسٌ كالرؤيا ومنطقٌ كالبرهان.


مقال جمييييل جدًا
ولا غلططه