مَنزلةُ الذَّاتِ: المِفتاحُ الحَقِيقِيُّ لِجَودةِ العَلاقَاتِ
النَّفسُ في المَزادِ، ومَنْ يَشتري أطْيَبَ جُزءٍ بالباطلِ؟
ليسَتْ كُلُّ العُهودِ التي تُلقَى على سَمْعِ الدُّنيا بِمَواثِيقَ، ولَيسَتْ كُلُّ العَواطِفِ التي تَفِيضُ دَلِيلًا على صِدْقِ المَنْبَعِ. نَحنُ في زَمنٍ جَفَّتْ فيهِ مَنابِعُ اليَقينِ، حتى باتَ الأنقِياءُ فيهِ غُرَباءَ، وتَصَدَّرَتْ مَشاهدُ الهَوَى الزَّائِفِ. وكَأَنَّ العَلاقاتِ كُلَّها قَدْ دُفِعَتْ في تِيارٍ مِنَ السَّفَهِ، يَتَدافَعُ مَوجُهُا مُتَشَكِّلًا بِزَبَدِ النَّوايا الخَوَّانَةِ وغِشَاءِ الغَادِرينَ المُحترِفينَ. هَذا الزَّبَدُ يَعلو سَيْلَ العَلاقاتِ، يَتَألَّقُ بِلَحظَتِهِ المُزَيَّفَةِ، ولا يُدرِكُ أنَّ مَصيرَهُ الزَّوالُ الحَتميُّ. بَينَما يَظَلُّ جَوهَرُ المِيثاقِ الحَقِّ خافِتًا، لِيُطرَحَ التَّساؤُلُ المُلِحُّ دَائِمًا: كيفَ نُحَصِّنُ رُسُوخَ العَهْدِ في زَمَنٍ كادَتْ فِيهِ السَّطحِيَّةُ أنْ تَبتَلِعَ كُلَّ عُمْقٍ؟
إنَّ الإجابَةَ تكمُنُ في تَجاوزِ النَّظرةِ القاصِرةِ للوُثوقِ، فالعَلاقاتُ الأصيلَةُ لَيستْ مَرهُونةً بظواهِرِها الفاتِنةِ ولا بآلامِها النَّازِفةِ. ولقد شاعَ بينَ النَّاسِ قَولٌ، كأنَّهُ قَدَرٌ محتومٌ على كُلِّ وُثُوق، بأنَّ العلاقاتِ إنَّما هيَ بِدَاياتٌ تَسْبِقُها نِهايات، فبئسَتْ تلكَ القاعِدةُ التي عُمِّمَتْ على سائرِ العلائقات كوسمٍ زائف. إنَّ العلاقاتِ التي تَقومُ على الجَوهَرِ لا تَعْرِفُ فَصْلَينِ مُتَناقِضَينِ، فليسَتْ تُعَرَّفُ ببَهْجَةِ الشُّروقِ العابِرِ، ولا بِظُلْمَةِ الغُروبِ المُفاجِئِ، بَلْ إنَّ حَقيقَتَها إنَّما تَكْمُنُ في المُقامِ بَينَ البَينَينِ؛ في رُسُوخِ الوَسطِ الذي لا تَعْتَرِيهِ بَدَايةٌ خَادِعَةٌ تُضْمِرُ سُمَّها، ولا نِهَايةٌ مُوجِعَةٌ تُزيل كُلَّ نَفْعٍ سابِق. فالعلاقةُ النَّبيلةُ هيَ دَيمومَةُ العَهْدِ، لا مَراحِلُهُ.
وعلى النَّقيضِ مِن هَذا الرُّسوخِ الوادِعِ، تَتَجلَّى صُوَرٌ مُؤسِفَةٌ للعَلاقاتِ الَّتي نَبَتَتْ في تربةِ الزَّبَدِ الخَصِبةِ للوُعُودِ الكاذبةِ، تُشيَّدُ علاقاتٌ هَشَّةٌ من وراءِ الشَّاشات، تُلقى فيها العهودُ والمواثيقُ جِزافاً، فإذا هي تذوبُ ذَوَبانَ المِلْحِ في غَدِيرٍ آسِن، وكأنّما هذا الملحُ قد وجَدَ مُستقرَّهُ الزَّائلَ في تِلكَ العُكارة، ورغمَ اضمحلالِها المُحتَّم، يُفاجِئُكَ أنَّ صاحبَ التَّجربةِ لم يتعلَّم قط من تِلكَ الذَّائِبةِ المَريرة؛ فيعودُ من جديدٍ بذاتِ المشاعرِ الفيَّاضةِ، يَنثرُها سُدىً في مَجاري الأوهام، فلا المِلحُ استحالَ إلى طُهرٍ، ولا الغَديرُ بالنّقاء ارتَوى.
إنَّ هذهِ الصُّورَ المُتكرِّرَةَ ليستْ إلَّا بَيانًا وتَثبِيتًا للقاعِدةِ الكُبرَى في صِراعِ الزَّبَدِ والماءِ على ضِفافِ الوُثوقِ ، ليس ارتفاعُ زَبَدِ العاطفةِ الجامحة دليلَ فيضانِ الخيرِ والنفع، كما أنّ سكونَ العلاقةِ الرَّصينة لا يعني الجفاف. فالزَّبدُ يعلو إذا اضطرب سَيلُ الأهواء، ويطفو إذا فاضت الفتنة، فيراه النّاس كثيرًا فيظنّون أن منسوبَ الحُبِّ ارتفع، وما درَوا أنّ مَنسوبَ السَّفَه العاطفي قد بلغَ حدَّه، وأنَّ تيَّارَ البهتانِ قد أغرقَ مَن بداخله. فلا تزالُ النَّفسُ ترتوي من أكاذيبَ مُتتابِعةٍ، وهي لم تَنْتَهِ بعدُ من تِلكَ العلاقات المائعة.
وإزاءَ هذا المَشهدِ من سُوءِ العاقِبةِ وضياعِ الجَوهَرِ، يَنبَثِقُ سُؤالُ الوَجعِ الذي لا يَهدأُ إلا بِتِرياقِ المُصارَحةِ القاسِيةِ، قُلْ لي بِمُرِّ الحَقيقةِ: أيَّ غَنائِمَ جَمَعْتَ من تِلكَ السَّراباتِ العاطفيَّة؟ أهو حُزنٌ أقامَ في فُؤادِك؟ أم هِيَ الثِّقةُ التي نَصبتَها بمقامِ الشَّاهِقِ، فَخَرَّتْ بصدْعٍ لا يُجْبَر؟ سُقوطٌ زلزلَ كاهلكَ؟ أوَلمْ يَكفِكَ عِبْرَةً ما ذُبتَ فيهِ كالمِلحِ في الغَدِيرِ، حتى تَأْتِيَ اليومَ مُستسلِمًا لِلضَّيَاع؟ أَتَرتَجي نَضْجًا، وفي كُلِّ مَرَّةٍ تُعيدُ فيها الكَرَّةَ تَتَخِذُ قرارًا بِئسَ القرار؟ أَتُكرِّرُ سَفَهَ المَسيرِ إلى مَشهدٍ تَعرِفُ مَآلَهُ، فَتَنسى أَلَمَ الضَّربَةِ الأولى؟ وَأَيْنَ ذَهَبَ حِصنُ عَقْلِكَ، حينَ رَضِيتَ أنْ يُعادَ بَيعُكَ في مَزادِ الهَوَى؟
ليستْ إجابَةُ تِلكَ التَّساؤلاتِ مَرهُونَةً بالغادِرِ، بَلْ بِمَنْ صَدَّقَ؛ فالمَخْرَجُ الوَحيدُ من حَلَقةِ الوَجَعِ المُفرَغَةِ إنَّما يَبدأُ بتَقييمِ الذّاتِ. اعلَم يَقينًا بأنَّ مَن لم يُقدِّرْ ذاتَهُ أولًا، سيظلُّ أسيرًا مُكَبَّلًا بسلاسلِ تِلكَ العلاقاتِ الزَّائلة. واعلَم بأنَّ مَن أنكرَ جوهرَهُ ولجأَ إلى ذواتِ النّاسِ مُستجديًا القيمةَ، فقد أضاعَ عمرَهُ في سَرابٍ لا يُروى. فكيفَ تُرجِّي أن يُقَدِّرَكَ الآخرُ؟ وأنتَ لم تُجِلَّ تلكَ النَّفسَ التي صاغَها اللهُ في أحسنِ صُورةٍ، وصنَعَها بصنيعةٍ بديعةٍ مُفرَدة؟ إنَّ مَن بَخَسَ حقَّ ذاتِهِ، لن يجدَ في عَينِ الآخرينَ إلّا مِقياسًا لبَخسِهِ. وعندَ هذهِ الحَقِيقَةِ، لا يَجوزُ السُّكوتُ عن مُحاسَبَةِ الذَّاتِ بَعدَ كُلِّ تِلكَ الخَسائِرِ؛ فليسَ الحَديدُ يَنثَني إلا مِن شِدَّةِ الضَّربِ، وإلا باتَتْ تِلكَ التَّجارُبُ سُدىً.
وَمَنْ أدرَكَ قِيمَةَ هَذهِ النَّفْسِ المُكرَّمَةِ التي صُنِعَتْ بِيَدِ الخَالِقِ، خَلَعَ عَنْها رِداءَ التَّبَعِيَّةِ، وأعلنَ اعتِزَالَهُ لِـلخِياراتِ المَرهُونَةِ بِغَيرِهِ. إنَّ قَرارَ الوُثوقِ بِمَنْ سَواهَا، كانَ دَومًا نَابِعًا مِن مَشيئَتِها الحُرَّةِ؛ “لَقَدِ اختَرْتُ نَفْسِي، والنُّفوسُ عَزيزَةٌ”، فَلَنْ تَحمِلَ تِلكَ الرُّوحُ العُمْرَ سُدىً، ولَنْ تَمضي فِيهِ دُونَ مِيزانٍ يُقِيمُها. فالحُرِيَّةُ الحَقَّةُ أنْ تَكونَ سَيِّدَ مَوقِفِكَ، لا مُسَيَّرًا بِوَهْمٍ أو سَرَابٍ مِنْ خَارِجِ ذاتِكَ.


ياللهي المقال متقن تصوير الموضوع بشكل احترافي و مبهر و راقي . و فكرة طرح اسئلة متتالية ثقيلة على نفس و تركها بدون جواب يعطي مساحة للقارئ لكي يجيب نفسه .