سبعُ دقائِق حياة: الغروبُ الأخير للدِماغ
ّرحلة الدماغ بين الشرارة الأخيرة والغروب الأبدي
يُروى أنّ الدماغ، في لحظاته الأخيرة يُعيد شريط الذكريات في سبع دقائق. ورغم أنّ هذه الفرضيّة لم تُحسم علميًّا، فإنها تفتح بابًا يورِقُ الخيال “ ماذا لو كنّا في الأصل نحيا داخل تلك الدقائق، لكن على مهلٍ مُدهش؟ ومن يدري أيُّ روحٍ تلوح لعينيك عند الغروب، وأيُّ قلبٍ يظلّ آخر أنيسٍ في صدرك؟ ”.
ظلّت اللحظات الأخيرة لغزًا يأسِر عقول العلماء، ولا سيّما حين يصفها أولئك الذين عادوا من حافة الموت؛ من توقّف نبضهم لدقائق ثم عاد إليهم كوهجٍ خافت من حياةٍ مؤجَّلة. هناك تتزاحمُ الأسئلة “ ما الذي يجري في الدماغ آنذاك؟ كيف لخلاياٍ أنهكها الانطفاء أن تُشعل ومضة قصيرة من النشاط بعد توقّف الدم عن مجراها؟ وأيّ سرّ يجعل الذكريات والمشاعر تتداخل في ذلك الأفولِ البطيء للوعي، كأنّها المشهد الأخير من مسرح العُمر؟ ”.
حين يتوقّف القلب ينقطع شريان الحياة عن الدماغ؛ فلا أكسجين يتدفّق إليه، ولا جلوكوز يمدّه بالطاقة، لا يبقى أمامه سوى أن يستهلك ما تبقّى من رصيده الضئيل، ثم يبدأ الاضطراب يختلّ النظام الكهربائي للدماغ، كمدينةٍ كانت أنوارها منتظمة ثم دبّت فيها الفوضى؛ إشاراتها تتوهّجُ بلا تناغم، وشوارعها العصبية تزدحم بومضاتٍ متقطّعة، عندها يتدفّق الغلوتاميت “ الناقل العصبي المسؤول عن الإثارة ” كطوفانٍ بلا رقيب، يغمر الخلايا العصبية بجرعاتٍ قاتلة؛ فتثور للحظة في اندفاعٍ يائس ثم تخبو وتموت.
ما استطاع العلماء إثباته هو أنّ اللحظات الأخيرة من حياتنا يشتعل نشاط الدماغ فجأة ويشتعل معه الوعي أيضًا؛ حتى إنّ الإنسان قد يكون أوعى بما يحيط به عند الموت ممّا هو في حياته العادية، ولا سيّما في مناطقه المعنيّة بالذاكرة والرؤية، ولعلّ هذا ما يفسّر شهادات مَن مرّوا بالموت السريري، إذ رووا أنّ حياتهم تدفّقت أمام أعينهم كشريطٍ متلاحق من الصورغير أنّ تلك الشرارة لا تدوم طويلًا؛ إذ تجتاح الدماغَ موجةٌ تُسمّى الاستقطاب المنتشر، وهي اندفاعٌ كهربائي يسري في الخلايا كوميضٍ أخيرفتُشعل منطقة ثم تُطفئها.
ومع ذلك، لا يستسلم الدماغ سريعًا؛ فجذعه يظلّ آخر القلاعِ صمودًا، إنّه الحارس المسؤول عن أبسط مقوّمات الحياة “ التنفّس، تنظيم نبضات القلب ”، يتشبّث بما تبقّى من ذرّات الأكسجين، كأنّه يستجدي آخر أنفاس الوجود. غير أنّ كل ما يحدث إنما يقع في برهةٍ خاطفة، لا تتجاوز عشر ثوانٍ إلى دقيقتين.. ثم يعمّ الصمت.
هناك تبدأ الشبكة العصبية في التفكّك، وتذوب الذكريات كما يذوب الثلج من طفولةٍ بعيدة تترنّحُ على أرجوحة الحنين، إلى محطات العُمر الأخيرة. ويظلّ السؤال معلّقًا في العتمة “ ما الذي يخبّئه عقلُ بريءٍ مثلك؟ حكايات لم تُروَ بعد؟ أسرارٌ لم تجد منفذًا إلى النور؟ أم حياةٌ كاملة لم يُقدَّر لك أن تحياها أصلًا؟ “.
في النهاية، لم يُقطع الشكُّ باليقين في أعينِ البشر،غير أنّ وعد الله حقّ، والموت! ما هو إلا بابٌ إلى حياةٍ أوسع وأبقى. ويبقى وحده الشاهد على الحقيقة، والصمت وحده الحارس على سرّها؛ سرٌّ تتضاءل دونه علوم الأرض، وتخرُس حياله لغة البشر. هناك، عند أعتاب الآخرة، تُطوى صحائف العُمر، ويُكشف الغطاء، فلا يبقى للروح سوى رحمة ربّها، وجنّة عرضها السماوات والأرض أُعدّت للمتقين.


حقًّا، كم يبقى الإنسان صغيرًا أمام لحظةٍ واحدة من الغيب، وكم يعجز العلم حين يقف عند عتبةٍ كتب الله أن يظلّ سرّها مكتومًا.
في النهاية، كما قلتِ، يبقى وعد الله هو اليقين، وأعظم ما في الأمر أنّ الرحلة لا تنتهي هناك بل تبدأ حيث الأفق اوسع و الرحمه أسبق
رائع