أيُعقلُ أنَّكَ ذَرَّةً في هذا الكَون، بينما الكَونُ كُلَّه يَدورُ في فلكِ وَعيك؟
أفلا تَعجبُ لمَن حَواهُ حَيِّزٌ ضَيِّق، ورُوحُه تَسَعُ السماء؟ ففي صدرِك هدوءُ الأفلاكِ وصَخَبُ البِحار، وفي عَقلكَ نُورُ النّجومِ وظُلمةُ الأغوارِ. أيحوي الوعاءُ بَحراً، أو يحدُّ السطرُ نَفَساً هو الضّياء؟ أم تظنُّ الحدودُ أنها تملكُ حَصْرَ مَن طُوِيَ فيهِ العالَمُ الأكبر؟ وكيفَ لا، وأنتَ الذي جَعَلَ اللهُ بَينَ جَنبَيْكَ لُغِزاً، لا يَقْرؤُهُ إلا مَن آمَنَ أنَّ الروحَ أعظمُ من أن تُسْجَنَ في لفظ، وأجَل من أن تُحَدَّ بِرَسْم. إنك مَنجمٌ لِلمُعجزات، كلما نَقّبتَ فيكَ الشدائدُ أو مَسَّكَ لُطفُ المواقف، استخرَجتْ من مَكمَنِك نورا لم تكن تَتوقع أنك مَشرقه.
الحقيقةَ المَسْتُورةَ وراءَ حُجُبِ المادَّةِ هي أنَّكَ لَسْتَ جُزءًا عابِرًا في مَشهَدٍ عَظيم، بل أنتَ العَيْنُ التي تُبصِرُه، والرُّوحُ التي تَسْكُنُه، والقَلْبُ الذي يَبُثُّ فيه المَعنى. فإذا أَزَلْتَ عن بَصيرتِكَ غِشاوةَ الصِّغَر، وانْكَشَفَ لَكَ سِتارُ الوَهْم، عَلِمْتَ أنَّ العَظَمَةَ لَيْسَتْ في أَنْ تَمْلِكَ كُل شيء، بل في أَنْ تَكونَ المِقياسَ الذي تُوزَنُ به الأَشْياء، وتُقَوَّمُ به القِيَم. ومن مِحرابِ هذه العظمةِ الفِطرية، يَنْبثقُ السَّر الحقيقي لِـ تَجْعَلَ الحَياةَ مُمكِنة التّحُمل؛ إذ يَكمنُ في إدراكِكَ لِحقيقةِ دَوْرِك؛ فالحياةُ في أصلِها مَسرحٌ جامد، ونحنُ مَن نَبثُّ فيها الرُّوح، ونحنُ مَن نُزيِّنها بِنُورِ يقينِنا لا هي التي تُزيِّننا بِزُخرفِها الزائل.
إنَّ مَعدنَكَ الذي صاغَهُ الخالقُ يملكُ القُدرةَ على قَلْبِ مَوازينِ الشَّقاء؛ فحينَ تُواجهُ "كُلَّ شيءٍ مُرّ" أو غَيْر مَحبوب، لا تَنظُر إليهِ كَجدارٍ يسدُّ طريقَك، بل كَمساحةٍ بيضاء تَنتظرُ منك أن تَسكبَ عليها صَبْغَةَ الرِّضا. نحنُ لا نَنتظرُ الظروفَ لِتَبتسمَ لِكي نَسعد، بل نَبتسمُ لِيَغدوَ القُبحُ جَمالاً، ونَصبرُ لِيصيرَ العُسرُ جسراً. هكذا نَتعاملُ مع كُلِّ ما لا نُحب؛ نَحتويهِ بِسَعَةِ نُفوسِنا، ونُجَمِّلُهُ بِصِدقِ تَوكُّلِنا، مُدركينَ أنَّ القوةَ الحقيقية ليست في هُروبِنا مِن كَدَرِ العَيْش، بل في كَوْنِنا نحنُ الضِّياء الذي يَهزمُ عُتْمَةَ الحَياة.
لذا، لا يَضيقَ صَدرُكَ إنْ شعرتَ يوماً أنَّكَ غريبٌ عن ذاتِك، أو أنَّ طَريقَكَ لا يزالَ مُلتحفاً بالضباب؛ فالبُذورُ العظيمة لا تَنبتُ في ليلة، والبُحورُ لا تَكشفُ لآلِئِها إلا لِمِن خاض غِمارَ المسير. أنتَ خِلقُ اللّهِ الجمِيل، ولسْتَ بِمُتأخَرٍ عن مَوْعدِك، إنما أنتَ في طَوْرِ التَّجِليِ. أمامكَ الكثيرُ من المسافاتِ التَّي لم تُقطَع، ومن النَّسخِ البَهِيَّةِ لِنَفْسِكَ التي لم تَلتق بها بَعْد. اطمئن؛ فما خَبَّأهُ الخالقُ فيك لن يَضيع، وما هي إلا أيامٌ تَتوالى حتى تنطقَ بك الحقيقة، وتَرى مِن جَمالِ مَخبرِك ما يجعلك تبتسمُ لكل لحظةِ حيرةٍ مَضت؛ فمَن كانَ كوناَ بأكمله، لا يَحزنَ لضيق مَمرّ.



لفتني وصفك للإنسان بأنه "منجمٌ للمعجزات" تستخرجه الشدائد؛ فما أجمل أن نرى الانكسارات ليست ثقوباً في أرواحنا، بل منافذ يخرج منها النور الذي كتمه الرخاء🌟!
مقال جميل جداً