كَيفَ تَبني مَخزونَكَ اللغويَّ من أُمّاتِ الكُتب؟
مَعالمُ الطريقِ في أروقةِ الأدبِ القَديم
ليست الكتابةُ ترفاً يختصُّ بهِ أهلُ الأدبِ وحدهم، بل هي ضرورةٌ لكلِّ عقلٍ يبحثُ عن الوضوح وسط زحام الأفكار. إنَّ مَن يَكتُبُ إنما يرتبُ فوضى نفسِه، ويُخرجُ مشاعرَه من ضيقِ الحيرةِ إلى سعةِ البيان. وحتى وإن لم تَكُن كاتبَ كُتبٍ أو صاحبَ مؤلفات، فإنَّ حاجتكَ للكتابةِ كحاجتكَ للتنفس؛ بها يزولُ الهمُّ، وبها تحفظُ أفكارَك الغالية قبلَ أن تضيعَ في زحامِ النسيان. فالكتابةُ هي حارسُ الحكمة، ومَن لم يجرّبْ قوةَ القلم، فقد حُرمَ أعظمَ وسيلةٍ لفهمِ نفسه.
إنَّ القارئَ الحَصيفَ يَظنُّ أنهُ يطوي صفحاتِ الكتابِ مَارّاً، والحقيقةُ أنَّ الكتابَ هو الذي يطوي مسافاتِ الجهلِ في نَفْسِه. فما يمرُّ بالبصرِ من جَزيلِ اللفظِ وبليغِ القولِ لا يذهبُ سُدىً، بل يترسبُ في عَميقِ الوِجدانِ كَمكمنِ الدرِّ في صَدفه. ولعلَّ كِتابًا واحداً تَقْرؤهُ بِتَدبرٍ يُحيي في لسانك مواتَ الفصاحةِ وأنت لا تَشعر، فإذا ما استَفزَّك مَوقفٌ أو مَسَّك وَجْد، انثالتِ الكلماتُ على سنانِ قلمك كغيثٍ هَطَلَ بعدَ طولِ احتباس. هكذا هي القراءة؛ تَبني فينا قصوراً من البيانِ نَسكنُها حين نَكتب، فتخرجُ الحروفُ مَصقولةً بوعيٍ خفيٍّ استمدَّ نُورهُ من بينِ السطورِ القديمة.
إنَّ العقلَ الذي يَستروحُ عبقَ المخطوطاتِ القديمةِ والكتبِ العتيقة، لا يَعودُ أبداً إلى ضيقِ لغةِ الشارع. فحين تَقْرأ لابنِ المقفع أو الجاحظ، فإنك لا تَأخذ مَعلومةً، بل تَبني “مَلَكة”. هذهِ المَلكة هي جنديٌّ خفيٌّ يَقبعُ في دَهاليزِ ذاكرتك، يَنتقي لك المفردةَ الجزلةَ من بينِ آلافِ المفرداتِ الهزيلة. إنهُ الذوقُ الأدبيُّ الذي يُنقي لسانك من لغوِ القول، ويجعلُ من جملتِك بَنياناً مَرصوصاً، يشدُّ بعضُه بعضاً، فتنسابُ المعاني في قوالبَ من الفخامةِ لم تكنِ في حُسبانك حين أمسكت القلمَ أولَ مرة.
مَن أرادَ العِزَّ في البيان، فعليهِ بمُجالسةِ الموتى من العُظماءِ عبرَ كُتبهم؛ فهُم صادقون في نُصحهم، مخلصون في بَيانهم. يمنحونَك صَفوةَ عقولِهم في صَفوةِ لغتهم. إنَّ الانغماسَ في الأدبِ القديم يورثُ في الكاتبِ أنفةً لغوية، فلا يرضى بالسطحيِّ من القول، ولا بالقريبِ من المعنى. إنها رحلةٌ في مَغاصاتِ اللغةِ العربيةِ حيثُ كلُّ لفظةٍ لها ظِلالٌ، وكلُّ تركيبٍ لهُ رنين. فاجعل من ليلك خلوةً مع ابن حزم في رقةِ بَيانه، أو مع المتنبي في كبريائِه، لترَى كيفَ تتحولُ لُغتكِ من مجردِ أداةٍ للتواصلِ إلى قَلعةٍ مَشيدةٍ من الفصاحة.
مَواردُ اللغةِ العَذبة
لمن أرادَ أن يَستقي من مَعينٍ لا يَنْضب، وأن يلبسَ فِكْرَه حُللاً من السحرِ الحلال، فعليهِ بأمَّاتِ الكتبِ التي صقلتها العصورُ وزادتها الأيامُ نَضارة:
“رسائل الجاحظ”: حيثُ تَلتقي جزالةُ اللفظِ بدقةِ الوصف، وهو مدرسةٌ مَن دَخَلها خَرَجَ وبيدهِ مَقاليدُ البيان.
“كليلة ودمنة بترجمة ابن المقفع”: سَهلٌ ممتنع، وجَزالةٌ لا استعلاءَ فيها، يعلمكَ كيف تُطوّعُ اللغةَ لخدمةِ الفكرةِ بأبهى صورة.
“أدب الكاتب” لابن قتيبة: لمن أرادَ أن يُقيمَ لِسانَه على جادةِ الصواب، ويَعرفَ أسرارَ الكلمِ ونَوادرَ اللغةِ التي تُحيي الموات.
وختاماً، لا تبتئسْ إذا طويتَ صفحاتِ كتابٍ وشعرتَ أنَّ مفرداتِهِ قد أفلتتْ من ذاكرتِكَ أو توارتْ عن ناظريك؛ فما الكتابُ إلا غيثٌ يسقي تربةَ عقلكَ الباطن. إنَّ تلكَ الكلماتِ الجزيلةَ لم ترحل، بل استقرتْ في أعماقِكَ كوديعةٍ ثمينةٍ يحرُسها الوعي. ثقْ تماماً أنها ستشرقُ في لسانِكَ وتجري على قلمِكَ في اللحظةِ التي تحتاجُها فيها، فتنسابُ المفرداتُ بعفويةٍ مذهلة وكأنها خُلقتْ لكَ وحدك. أنتَ لا تقرأُ لتملأَ ذاكرتَكَ فحسب، بل لتُربي مَلَكتَكَ الأدبية؛ وحين يحينُ أوانُ البيان، ستجدُ أنَّ ذلكَ المخزونَ النائمَ قد استيقظَ ليجعلَ منكَ كاتباً يُشارُ إليه بالبنان.


شعور جميل عندما يخطر في ذهني الكم الهائل من العلم المتوفر لتعلمه.
كتابة راااائعة
شكرًا