كيفَ يَغدُو ما يُمِيتُكَ سَبِيلًا لِيُحيِيك؟
ألَّا تَرضى بِنِصفِ عَيشٍ ونِصفِ سَماء
كم يَعجَبُ الإنسانُ حين يلتفتُ إلى وراءِ عُمْرِه، فيرى أنَّ أكثرَ ما كان يفرُّ منه هو عينُ ما قاده إلى نفسه، وكيفَ تحوّلُ الضيقُ الشديدُ إلى فضاءٍ واسِعٍ ترتاحُ فيهِ الرُّوحُ بعدَ طُولِ تعب. تُحيطُ بكَ الظروفُ الصعبةُ حتَّى تظُنَّ أنَّها النهاية، وتتراكمُ عليكَ الضغوطُ كأنّها مطارقُ قاسية لا تهدفُ إلّا لكسرِكَ، فما هيَ إلّا فترةٌ من الزمن، حتَّى تنجليَ الغُمّةُ عَنكَ. تَنظُرُ إلى نفسِكَ فإذا أنتَ شخصٌ آخَر؛ لقد خَرَجتَ من قسوةِ المعاناةِ قويًا، وصِرتَ تلكَ النسخةَ الأجملَ التي طالَمَا تمنّيتَها لنَفسِك؛ كيانًا جديدًا صلبًا ومصقولاً بالحِكْمة.
إنَّ الأشياءَ التي تُكلّفُنا جُهدًا ليست دائمًا ضدَّ الحياة، بل كثيرًا ما تكونُ الطريقَ إليها.
فالعَناءُ الـمُحِيطُ بكَ اليومَ ليسَ حَكمًا بالإعدامِ على رُوحِك، بل هو مَخاضٌ عَسيرٌ لولادةِ إنسانٍ آخَر. غدًا، حينَ تَنقَشِعُ الغَشاوَةُ، لن تَنظرَ إلى نَفسِكَ القديمةِ بمِنظارٍ بَعيدٍ كأنَّكَ غريب، بل سَتَقتَرِبُ منها لِتَرى كَيفَ صَنَعَتكَ الظروفُ وأَقوَتك؛ وتَنظُرَ إليها نَظْرَةَ الـمُمْتَنِّ، فَتَعُودُ لِتُحِبَّ الحياةَ لا لِأَنَّها سَهُلَت، بل لأنَّكَ صِرتَ أَكْبَرَ منها، ومَلأتَ جُعبَتَكَ بالتَّجارِبِ التي تَجعَلُكَ تَمشِي على أَرضِها مَلِكًا خَبِيرًا بِمَضايِقِها ومَخارِجِها.
ليس كلُّ من اشتكى الظلامَ حُجِبَت عنه الشمس؛ فبعضُهم كان واقفًا بظهره إليها.
ثُمَّةَ نفوسٌ يَكْسرُها الخروجُ من النفقِ أكثَر ممّا يَكْسرُها البقاءُ فيه؛ فبعدَ أن تَنجلي تلك العاصفةُ، وتَتركَ في المرءِ مَكامنَ قُوّةٍ تَهزُّ الجبالَ لو عَلِمَ بها، تَراهُ يَزهدُ في قُوَّتِهِ الجَدِيدَة، ويُؤثِرُ الانكفاءَ على جِراحِه. يَتَخيَّرُ لِنَفسِه زاويةً قَصِيَّةً خَبَت فيها مَعالمُ الحياة، ويَرتدي مَظلمةَ الضحيةِ كأَنَّها هُوِيَّتُه التي لا يَعرفُ نَفسَه إلّا بها. إنَّه لا يَشكو غِيابَ الفَجْرِ عجزًا في بَصَرِه، بل رَغبةً في عَمَاهُ؛ إذ يَعزُّ على نَفْسِه المَجرُوحَة أن تَعترفَ بأنّها خَرَجَت من تِلكَ التَّجرِبَة القَاسِيَة أشَدَّ بَأسًا وأَعزَّ جَانِبًا، فيَظَلُّ باكيًا عندَ عَتَبةِ الأَمسِ، مُوَلِّيًا ظَهرَهُ لِشَمسٍ تُوشِكُ أنْ تَغمرَهُ بالدِّفءِ والـخَلاص.
اعلم أنَّ مقاديرَ اللهِ جاريةٌ عليكَ بالحكمةِ والرحمةِ وإن خَفِيَت عنكَ أسبابُها؛ فما سَلَبَكَ اللهُ بَسمَةً، ولا أطفأَ في كونِكَ نجمًا ألِفتَهُ، إلّا ليَهَبَكَ خيرًا منه، إذ إنّما يُميتُ فيكَ شيئًا ليُحيي شيئًا أعظم. فما لَكَ تنكفئُ على أحزانِكَ كأنَّ النهايةَ قد أُعلِنَت؟ لا تجعل من نفسِكَ طريدًا في العَتمَةِ، ولا تُوَلِّ ظهرَكَ للشمسِ باكيًا على أمسٍ مَضَى، بلِ التفت لمواطنِ الضياءِ فيك؛ لا تَعرِفُ الالتفاتَ للوراءِ، تدورُ مع النورِ حيثما دار، وتَميلُ مع قَدَرِ اللهِ أينما توجَّهَ، لتستمدَّ من كلِّ كُسُوفٍ طاقةً جديدةً للشروقِ والنهوض من جديد.



أصبتِ،
تمرّ على الإنسان لحظات عسيرة، مليئة بالتقلبات والركود. كان يظن أنها فترة عابرة وستنقضي، لكنه لا يعلم أن الإنسان قد تأتيه مرحلة انتكاسة تكون منعطفًا كبيرًا وتحولًا عظيمًا في شخصيته؛ إما أن يعود بعدها مستقيمًا أقوى مما كان، أو أن ينكسر ويميل.
صدقًا، أشتاق كثيرًا إلى شخصيتي القديمة. وأعلم يقينًا أن ما أنا عليه اليوم ليس إلا نتيجة لما كنت عليه بالأمس. ولا أعلم أيضًا كم ستستمر هذه المرحلة، لكنني على يقين بأنني سأتخطاها.
وقد وصلت إلى درجة عالية من اليقين بأن ما أمرّ به اليوم هو أثر ذنوب صغيرة وزلات كنت أظنها هينة، لكنها تجتمع وتتراكم حتى تصبح حملًا ثقيلًا جاثمًا على صدر الإنسان. وكنت أتساءل: لماذا نصل إلى هذه المرحلة؟ لماذا يأتي الانكسار والتوقف بعد شوط طويل من النمو والنجاح والتوفيق؟
فوجدت أن الجواب يكمن في قول الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾. فالله سبحانه وتعالى يقدّر لنا من الأسباب ما يدفعنا إلى العودة إليه، بعد أن خطفتنا الدنيا عن أصل غايتنا السامية، وهي عبادته سبحانه.
إن هذه المرحلة التي نمر بها مرحلة تخبط وتشتت وضياع، يرافقها الكسل والفتور، ولا تصلح بوصلة القلب فيها إلا بالعودة إلى الله، رويدًا رويدًا، حتى يستقيم المسير وتعود الطمأنينة إلى النفس من جديد.
من أجمل ما قرأت جزاك الله خيرا