كيف تُصابُ بمتلازمةِ اللامبالاة.. المحمودة؟
حين لا يعودُ كلُّ شيءٍ يعنيك
ما أكثرَ ما يُثقِلُ الإنسانُ قلبَه بأشياءَ لو تركها لم تنقصْ من حياته شيئًا، ولكنَّها تنقصُ من طمأنينتِه كلَّ شيء، يُدخِلُ إلى صدره كلمةً عابرة، ورأيًا لا يعرفُ صاحبُه من أمره إلا ظاهرًا، وهمًّا لم يقع بعد، وخوفًا لا يدري أسيكون أم لن يكون؛ حتى يضيقَ قلبُه بما حُمِّل، فلا يعودُ يُبصرُ الحياةَ على سعتها، بل يراها من ثقبِ ذلك الهمِّ الذي آوى إليه. وما ضاقتِ الدنيا يومًا، ولكنَّ القلبَ إذا ضاقَ بما لا يستحقُّ، ضاقتِ الدنيا في عينِ صاحبِه.
ولعلَّ السطورَ الآتيةَ لا تُعلِّمُكَ كيف تكفُّ عن الشعور، ولا كيف تُصبحُ غريبًا عن آلامك؛ فذلك ممَّا لا ينبغي لإنسان. ولكنَّها لعلَّها تُعينُكَ على أن تُحسنَ ترتيبَ ما يستحقُّ أن يُقيمَ في قلبك، وما ينبغي أن يمرَّ به مرورَ الغمام. فالحياةُ لا تُعاشُ إلا مرَّةً واحدة، وما تُهدرُه اليومَ في ملاحقةِ ما لا يستحق، لن يعودَ إليكَ غدًا. نعم، إنَّ القولَ في هذا البابِ أيسرُ من الفعل، غيرَ أنَّ الفرقَ بين قلبٍ أثقلته الدنيا، وقلبٍ بقي خفيفًا عليها، لم يكن يومًا في كثرةِ ما سمع، بل في شجاعةِ ما اختار أن يُهمله.
ما يستحقُّ قلبك
وأوَّلُ ما ينبغي أن تتعلَّمه: أن تُعيدَ ترتيبَ الأهميَّة في قلبك فليس كلُّ ما يعبرُ يومَك جديرًا بأن يعبرَ روحك، وليس كلُّ ما يُقال يستحقُّ أن تُقيمَ له محكمةً في رأسك. اسأل نفسكَ كلَّما استولى عليك أمرٌ: هل سيصنعُ هذا فرقًا في حياتي بعد أسبوعٍ، أو شهرٍ، أو عام؟ فإن كان الجوابُ لا، فلا تُسلمه من وقتك ما لا يستحق، ولا تهبه من سكينتك ما هو أولى أن يبقى لك. فما يسرقُ من عمرك دقيقةً بغير حقٍّ، إنما يسرقُ قطعةً من حياتك لن تعود.
لا تترك للفراغِ مقعدًا
ثم لا تتركْ قلبكَ عاطلًا؛ فإنَّ الفراغَ أرضٌ خصبةٌ تُنبتُ الهواجس، وتُضاعفُ الأحزان، وتُضخِّمُ ما كان صغيرًا حتى يخالَه المرءُ جبلًا. اشغلْ نفسكَ بما تُحب، بعملٍ تُتقنه، أو كتابٍ يُهذِّبُك، أو رياضةٍ تُحيي جسدكَ، أو صحبةٍ تُوسِّعُ صدرك. فالنفسُ إن لم تُشغَلْ بما ينفعها، شغلتكَ بما يُرهقها. ولا تنسَ أنَّ لنفسكَ عليك حقًّا؛ ومن حقِّها ألَّا تُرهقَها في ملاحقةِ كلِّ خاطرٍ، ولا أن تُضيِّعَ عمرَها في معاركَ لا تزيدُها إلا تعبًا.
بعضُ الأسرارِ أكرمُ لها الصمت
ومن أثقلِ ما يورثُ القلبَ همًّا، أن يندفعَ المرءُ إلى بثِّ سرِّه لكلِّ من أحسنَ إليه في لحظة. فما كلُّ أذنٍ أمينة، ولا كلُّ صدرٍ موضعُ ائتمان. فإن ضاقَ بك أمرٌ لا تُطيقُ حملَه وحدك، فالتمسْ له قلبًا تعرفُه قبل أن تعرفَ لسانَه؛ فإن وجدتَ أمًّا فذاك مأمنٌ عظيم، وإلا فأبًا، فإن لم يكن فأخًا أو أختًا، ثم من تثقُ بدينه ومروءته من خاصَّةِ أصحابك. أمَّا أن تجعلَ غرباءَ الأمسِ مستودعًا لأسرارك، فربما خفَّ عنك همُّ الساعة، ثم أثقلَك ندمُ الأعوام.
وليس كلُّ ما يعتملُ في صدرك يحتاجُ إلى شاهد. فثمَّةَ همومٌ يخفُّ ثقلُها إذا صبرتَ عليها، وأفكارٌ تموتُ إذا لم تُخرِجها إلى الألسنة. فإن كان سرُّك شديدَ الخصوصيَّة، فصُنْه ما استطعت؛ فإنَّ الكلمةَ ما دامت في صدرك فهي أسيرتُك، فإذا خرجتْ من فيك أصبحتَ أسيرَها. وكثيرٌ من الناسِ لم يُتعبْهم ما مرُّوا به، بقدرِ ما أتعبهم انتظارُ أن يبقى سرُّهم سرًّا بعد أن جعلوه في يدِ غيرهم.
إنها مرحلةٌ.. لا العمرُ كلُّه
وإن غلبكَ قلبُك يومًا، ولم تُجدِ معكَ كلُّ هذه المحاولات، فتذكَّر أمرًا واحدًا: أنَّها مرحلةٌ، لا حياةٌ بأكملها. فما من همٍّ ظننته دائمًا إلا وجاء عليه يومٌ صار فيه ذكرى، وما من ضيقٍ حسبتَ أنَّه آخرُ العمر إلا وتوارى مع تعاقبِ الأيَّام حتى كأنَّه لم يكن. نحن لا نعجزُ عن احتمالِ اللحظة، بل نعجزُ لأنَّنا نتوهَّم أنَّها لن تنقضي. واعلم أنَّ العقلَ يُشبهُ طفلًا صغيرًا؛ لا يكفي أن تُرشده مرَّةً ليقتنع، بل يحتاجُ إلى أن تُعيدَ توجيهَه كلَّما شرد، وأن تُمسكَ بيده كلَّما جرَّه الخوفُ إلى أبعدَ ممَّا تحتملُ الحقيقة. فلا تيأس إذا عاد إليكَ القلقُ بعد أن طمأنته، فالثباتُ لا يُولدُ من محاولةٍ واحدة، وإنما من صبرٍ يتكرَّر حتى يألفَ القلبُ السكينة. وسيأتي عليك يومٌ تلتفتُ فيه إلى ما أقلقكَ الآن، فتتعجَّب كيف استهلك من عمرك كلَّ ذلك، وهو لم يكن إلا فصلًا عابرًا في كتابٍ أكبرَ بكثير.
ربما لن تخرج من هذا المقال إنسانًا لا يُبالي، وربما ستقلق غدًا كما تقلق اليوم، لكن يكفي أن تتذكَّر، في كلِّ مرةٍ يسرقُك القلق، أنَّ قلبَك ليس عدوَّك، وإنما أمانةٌ بين يديك. وكلُّ ما لا يستحقُّ أن تُعطيه ساعةً من عمرك، لا يستحقُّ أن تُعطيه موطنًا في قلبك. فإن غفلتَ عن ذلك، فاذكرْ أنَّ العمرَ في آخر الأمر لن يُحاسبَك على عددِ المشكلاتِ التي مرَّت بك؛ فكلُّ الناسِ يمرُّون بها. لكنه سيشهدُ على شيءٍ واحد: كم منها سمحتَ لها أن تعيشَ فيك، بعد أن انتهت.


من اجججمل المقالات الي قرأتها اليوم
سلمت يدككك 🤍🤍🤍
- أستغفر الله العظيم و أتوب إليه.
- لا حول و لا قوة إلا بالله.
- اللهم صل و سلم على نبينا محمد.
- الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.
- لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
- الحمدلله، الحمدلله، الحمدلله.
- سبحان الله و بحمده، سبحان الله العظيم.