محكمة الغِربان الساذجة
داخلها غرابٌ لا ينطق إلا حين يَنهش، ولا يظهر إلا حين يَشمت
مذكرة الدفاع الأولى
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى سذاجتكم.. محكمة الغِربان
أرفع إليكم خطابي هذا، لا طلبًا للإنصاف، بل توثيقًا لما جرى. فأنا لستُ هنا لأنشدَ عدلًا قد سُرِق، ولا أُطالِب بحقوقٍ لم تُحفظ، لأني أعلم، وإن طالبت، فلا في قلوبكم رحمةً، ولا في عقولكم بيان. بل لأُقِرّ، أنّ الجروح لا تُشفى بالصمت، وأنّ في حروفي هذه مرافعةٌ لا تُرفَض. إنّي أُحيل قضيتي إلى نفسي، لا إليكم يا من تتدّعون أنكم قُضاة، إنّي أُقِرّ، وأنا بكامل هشاشتي، أن لا جهة تفهمني أكثر منّي، ولا صوت يصدح بالحقيقة كما تفعل كلماتي. وحين لا تُرهبني تلك الجلسات الصامتة في عقلي، حيث أجلس في قفص الاتهام، وأنا القاضية، والشاهدة، والمتهمة. أُقرّ أنني كنتُ هناك، حين خذلتُ نفسي، وأنني التمستُ الأعذار لِمن لا يستحق، ووقّعتُ على اتفاقيات سلامٍ مزّقَتني. ولكنني أيضًا، لم أكن ظالمةً دائمًا، ولا قويةً دائمًا. كنتُ فقط أحاول أن أكون إنسانة.
وقرّرت محكمتي الآتي: لقد ترافعتُ أمام الله قبلكم، وأودعتُ حقي في يدٍ لا تخون. وما ضاع حقٌّ أودعته عند العدل الحق، لا عندكم، يا من تلبّستم رداء القاضي، وداخلكم غرابٌ لا ينطق إلا حين يَنهش، ولا يظهر إلا حين يَشمت.
وهكذا، حين أغلقتُ ملف قضيتي الخاصة، أدركتُ أنني لم أكن وحدي، بل كنتُ فصلًا صغيرًا في محكمةٍ أكبر، تُدار في الخفاء، وتُعرف باسم: محكمة الغربان.
يُدان الغراب على ذنبٍ لم يرتكبه، تترصّده الأعين، كاميراتٌ لا ترمش، تُسجّل كل تفصيلةٍ في حياته، ولا سبيل للهروب منها. تُنتظر زلّته وكأنّها مكافأة، ويحكُم الغراب على أخيه وكأنّه لم يعِش معه يومًا. يُحاكَمُ فيها المظلوم كأنه ظالم، ويُدان البريء الذي لم تعرفه الخطيئة.
تمامًا هي الحياةُ البشريةُ، محكمةٌ يُعاقَبُ فيها الإنسان على ما لم يقل وما لم يفعل، يجتمعون في حشودٍ مهيبة، ينعقون بلا برهان، ولا دليلٍ يشتعل كالدخان. لا يتركون له فرصةً للدفاع، ويحاكمونه وهو غائبٌ أصلًا عن قاعة المحكمة.
في محكمة الغربان، لا يُدان الغراب فقط بذنبه، بل يجعلونه يشكّ في ذاته وإدراكه للحقيقة، يُقال له: "أنت المخطئ"، حتى يصدق، فيرتكب زلاته بالفعل بسبب هذا الوهم، فيُدان مرتين، الأولى بالحكم الجائر، والثانية بالشك في نفسه. فهنا لا تُحاكَم الأفعال فقط، بل تُحاكَم الحقيقة ذاتها، في متاهةٍ لا نهاية لها من الأكاذيب والتلاعب العقلي.
وفي زاويةٍ من المحكمة، يقف غرابٌ آخر، لا دور له سوى التلصص. لا يسأل عنك حبًّا، بل فضولًا، ولا يتفقدك حنينًا، بل ليستقي أخبارك كأنها لُقمةٌ تُقدَّم له على طبق من حياة غيره. ينعق حين يسمع عنك شيئًا، ويصمت حين تتألم، يُقلّب سيرتك في المجالس، لا ليمدح، بل ليحملها إلى قطيعٍ آخر من الغربان. يظنّك مادةً للحديث، لا روحًا تتقلب بين خيباتها ونجاتها. غرابٌ لا يبحث عنك، بل عن ثغراتك، لا يهمه من تكون، بل ما يمكن أن يأخذه منك ليملأ فراغه. هؤلاء غربانٌ لا يحاكمون، بل يتلصّصون، يشهدون على حياتك دون دعوة، ويتسلّلون إلى سيرتك كأنها مُلكٌ مشاع.
وما إن يُعلَن الحكم، حتى يُولد في صدر المحكوم قاضٍ جديد. ينعق هو الآخر، يلتفت إلى سواه، يردّد نفس الأكاذيب التي دُسَّت في أذنه، فيتحوّل المظلوم إلى غرابٍ آخر، يواصل لعبة النعيق.
وربما كانت النجاة الوحيدة من محكمة الغربان ألّا تمنحها قلبك أصلًا، أن تُخفيه حيث لا تراه العيون، ولا تدركه الكاميرات، ولا تبلغه الأحكام.


بسم من لا يَخفى عليه نعيق الغربان،
إلى صاحبة المذكرة…
قرأتُ دفاعكِ وكأنني أقف معكِ في قاعة المحكمة ذاتها، حيث الجلسات الصامتة تكتظ بالعيون لا بالرحمة، وبالأحكام لا بالحق. وما أشبه ما وصفتِه بالحياة حين تصير مأدبةً للغربان، يتناوبون فيها على النبش في جراح الآخرين، لا لينصفوا، بل ليُشبعوا فضولهم وجوعهم للشماتة.
لكنني أُقِرّ هنا، أنّ أخطر محكمة ليست التي يجلس فيها الغربان من حولنا، بل تلك التي نوقدها في صدورنا، حين نُعيد تلاوة إدانتهم لأنفسنا، ونوقّع على أحكامهم بيدينا. هناك، يتحوّل المظلوم إلى قاضٍ وجلاد في آنٍ واحد، يردّد أكاذيبهم حتى يصدقها، فيصير جزءًا من القطيع الذي حكم عليه.
وأعترف، أنّ الخلاص لا يكون بمرافعة جديدة، ولا بدحض براهين لا وزن لها أصلًا، بل بالانسحاب من قاعة النعيق ككلّ، بالصمت الذي يوقف اللعبة، وبحراسة القلب حتى لا يكون مادةً لألسنتهم ولا طُعمًا لفضولهم.
فلتبقَ قلوبنا خارج أسوار محكمتهم، ولتسقط كل الأحكام التي لا تُكتب في صحائف الحق عند العدل الحق.
لقد كتبتِ، فكان نصك المرافعة الوحيدة العادلة في محكمة امتلأت بالظلم، والدفاع الصادق عن كل الذين جلسوا في قفص الاتهام ظلمًا. وأشهدكِ أنني كنتُ واحدةً منهم، وأن كلماتكِ كانت الحكم الذي أنصفني حين صمت العالم
نصّ مليءٌ بالتّشبيهات والاستعارات وكذا الكثير الوفير من الحروف البديعات.. وقد أغرقني عمقه فلو كان ذاك مرادك فقد حصل ووصل