في اليومِ الثالث من سبتمبر، هبّت الريحُ عاصفة، فمددتَ يدك تبحث عن معطف ورغم تنوّع الخيارات أمامك، أمسكتَ بذلك المعطف العتيق دون تفكير، مرّت السنوات وعاد الثالث من سبتمبر، فإذا بيدك تعود إلى المعطف ذاته كأنها تعرفه، دون أن تستدعيه، لم يكن وعيك من اختار بل ذاكرةٌ خفيّة، ربطت بين البردِ والتاريخ ودِفءٍ قديم سكن ذلك المعطف فاليدُ تمضي أحيانًا حيث لم يذهبَ العقل، تستجيبُ لنداءٍ لا يُسمع لكنه يُحسّ.
ليس ذلك محض صدفة، بل هو بعضُ ما يُخبرنا به علم الأعصاب أنّ الخلايا العصبيّة التي تشتعل معًا تتصل معًا، وتُنشئ فيما بينها عهدًا لا يُنكث، فعند كلِّ تجربةٍ تنفعل فيها الحواس والمشاعر في آنٍ واحد، تُخلق شبكةٌ من الاتصالات العصبيّة تتكرّس بمرور الوقت، حتى يصبح استحضارها يسيرًا متى ما مرَّ بك ما يُشبهها.
لعلّك شممتَ رائحة القهوة، فما أدركتَ إلا وقد سكنت النفس واطمأنّ القلب، كأنّ سكينةً نزلت من غيبٍ لا تُرى، أو لمستَ ورقًا عتيقًا فانساب في يديك زمنٌ مضى، لم تستدعِه ولم تطلبه، فإذا هو حاضرٌ بينك وبين اللحظة، وربما مرّ لحنٌ قديمٌ على سمعك، فما وعيتَ به إلا وقد انفتح بابٌ في الذاكرة وهاجَ من المكنون ما خُيّل إليك أنه بادَ واندثر.
البُنى العصبيّة المسؤولة عن الذاكرة الترابطيّة
في أعماقِ الدماغ، في الفصِّ الصدغيِّ الأنسـيّ، يقوم الحُصينُ مقام الحارس الأمين؛ ينقل المعلومات من الذاكرة قصيرة المدى إلى الذاكرة طويلة المدى من ظلالِ الذاكرة القريبة إلى خزائن الذاكرة البعيدة، فيُؤرشفها كما تُرتَّب الكتب في مكتبةٍ عريقةٍ لا يضيع فيها سجلّ ولا يَغيب لها أثر. هو من جُند النظام الحوفي، موئلِ العاطفة ومَسْرى الحنين، ويعاونه في مهمته قشرةٌ أمام جبهيةٌ تُحكم الوصل وتجمع الأطراف.
والذاكرة الترابطية تعمل عملَ الوشيجة الخفيّة؛ ما إن يَرِد إلى الحواسّ مؤشِّرٌ جزئيّ سواءً صوتٌ أو رائحة أو مشهد حتى يوقظ العصبُ الموصول في الدماغ خلاياه القرينة، فتقوم شبكات الحُصين وقشرته المحيطة بإعادة تفعيل النمط نفسه من النشاط الذي نشأ ساعة تكوَّنت الذكرى أول مرة، ولأن الدماغ لا يحفظ الوقائع منفصلةً، بل يخزّنها في عقدٍ متشابكة من الروابط، فإن استدعاء جزءٍ واحدٍ منها كافٍ لاستحضار الصورة كاملةً، بما يكتنفها من شعور وزمن ومكان. تتآزر هذه الشبكات في منظومةٍ بديعة، تتلاقى خلاياها على ميثاقٍ محكم، تشتعل معًا فتتصل معًا، فيسجّل الدماغ العلاقات بين المحفّزات المختلفة برباطٍ من المشابك العصبية التي يُبدّلها ويُجدّدها، حتى تُحفظ الذكرى، ويُستعاد ما شاء الله أن يُستعاد.
وهكذا، لا يُودِع الله في خلقه شيئًا عبثًا ففي ذاكرتك حِكمَة، وفي حنينك آية، وفي كلِّ ما يربط ماضيك بحاضرك لُطفٌ خفيّ لا تدركه العيون، لكنّه ينساب فيك كما ينساب النور في الفجر، قال ربُّنا جلّ في علاه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾، فإن الذاكرة ليست سوى بعضٍ من تلك الآيات؛ مرآةً خفيّةً تنعكس عليها رحمةُ الله وعِنايتُه، لتظلَّ خيوطك ممتدّةً إلى ما كان، فلا تضلّك الوحشة، ولا يغيب عنك المعنى، وتعلم أنك لم تكن يومًا وحدك.
فسُبحان من جعل من تلاقي الخلايا سببًا لتلاقي الأرواح، ومن ومضةٍ في الدماغ ذكرى تُنير القلب، ومن ماضٍ ولّى طريقًا يهدي الحاضر فيكتمل به الإنسان، ويهتدي إلى بعضٍ من سرّ نفسه وبعضٍ من نور ربه.


حقا هي آلية مُعقدة في غاية الدّقة والاتقان ، تأمُلها بكلماتك المُتفكرة جعلني أراها بمنظور جمالي يخّدم غايةً أسمى وأعظم .. فما بيّن ذكرى مُؤلمةٍ، يعود طيفُها في الحظةٍ الحية التي نعيشها ، يسطعُ ضوءٌ يُمكن أن يُغير مجرى قصّتنا كاملة إن أحسنّا التعامُل معه ووجهناه ليُضيء البُقعة المنشودة لوجوده .
سُبحانه فاطر السماوات والأرض.
شُكرًا لك .. طرحّت بإبداع :).
سبحان من جعل في ذاكرة الانسان شيئاً من التفكر والتدبر ، جـزاكـ الـلـه خيـراً حقااا ابدعتي يا مبدعة 🫂⭐