قد تتأخر فتسبق الجميع!
السِّباق الذي لم يُطلب منك خوضُه
لعلَّ عنوانَ هذا المقالِ ساقكَ إلى هنا، وأوهمكَ أنَّكَ على موعدٍ مع كلماتٍ تُسكِّنُ قلقَكَ، وتُربِّتُ على كتفِكَ قائلةً: لا بأس، سيأتي يومٌ تتقدَّمُ فيه على الجميع. وربما مضيتَ في القراءةِ مترقِّبًا الوصفةَ التي تُعيدُ إليكَ طمأنينتَكَ بأنَّ دورَكَ لم يفت، وأنَّ الغدَ سيمنحُكَ موضعًا أعلى ممَّن حولكَ. غيرَ أنَّني لا أريدُ أن أُطمئنَ هذا القلق، بل أريدُ أن أستجوبَه. فما الذي جعلكَ أصلًا تُفتِّشُ عن عزاءٍ يقومُ على أن تكونَ أمامَ أحد؟ ومن الذي أقنعكَ أنَّ قيمةَ الطريقِ لا تُعرَفُ إلا إذا كان ثمَّةَ طريقٌ آخر تُقارِنُه به؟ فالقلقُ لا يولدُ دائمًا من بطءِ الطريق، بل كثيرًا ما يولدُ من الالتفاتِ إلى طرقِ الآخرين. وما إن ترفعَ عينَكَ عن خطاكَ لتُحصي خُطاهم، حتى يتحوَّلَ السيرُ إلى سباق، ويغدو الحلمُ ميزانًا تُوزَنُ به المسافاتُ بينكَ وبينهم، لا بينكَ وبين ما تُريد. ومن هنا تبدأُ المقارنةُ عملَها الخفي؛ لا في سرقةِ طمأنينتِكَ فحسب، بل في إعادةِ صياغةِ قلبِكَ كلِّه.
إن أخطرَ ما تفعله المقارنةُ أنَّها لا تُفسدُ مشاعرَكَ فحسب، بل تُعيدُ تشكيلَ رغباتِكَ أيضًا، فهي لا تُقنعُكَ بأنَّكَ متأخِّرٌ فقط، بل تُقنعُكَ أنَّ ما يملكه غيرُكَ هو ما ينبغي أن تطلبَه أنت. وكم من غايةٍ لم تكن لتخطرَ ببالِكَ، لولا أنَّكَ رأيتَ الناسَ يتسابقون إليها. وكم من حسرةٍ ما كانت لتسكنَ قلبَكَ، لولا أنَّ أحدًا سبقكَ إلى شيءٍ لم تكن ترغبُ فيه أصلًا. ولو جُرِّدَ الإنسانُ من ضجيجِ المقارنات، ثم سُئل: ماذا تريد؟ لعجزَ كثيرون عن الجواب؛ لأنَّهم أمضوا أعمارَهم يتعلَّمون كيف ينافسون، ولم يتعلَّموا يومًا كيف يُصغون إلى رغباتِهم الحقيقية. وأخشى أنَّنا طوال هذا الركض لم نكُن نسعى إلى أحلامِنا بقدرِ ما كُنَّا نهرب من أن يسبقنا أحد.
تأمَّل صالةَ المطار؛ عشراتُ الوجوهِ تقفُ في الصفِّ نفسه، ومع ذلك لا يلتفتُ أحدٌ إلى سرعةِ عبورِ الآخر، لأنَّ الجميعَ يعلمُ أنَّ لكلِّ مسافرٍ جوازَه، ووجهتَه، وإجراءاتِه التي لا تُشبهُ سواه. فمنهم من يُفتحُ له الطريقُ سريعًا، ومنهم من يطولُ وقوفُه، ولا يرى في ذلك نذيرًا بأنَّ رحلتَه لن تبدأ؛ إذ يعلمُ أنَّ اختلافَ زمنِ العبورِ لا يُغيِّرُ حقيقةَ الوصول. ولو انشغلَ كلُّ مسافرٍ بعدِّ مَن عبرَ قبله، لفاتته اللحظةُ التي يُنادَى فيها اسمُه. غيرَ أنَّنا في الحياةِ نفقدُ هذا اليقين؛ فما إن نرى أحدًا يسبقُنا إلى نجاحٍ، أو حلمٍ، أو منزلةٍ، حتى نتوهَّمَ أنَّ التأخُّرَ عنه تأخُّرٌ عن الحياةِ نفسها، مع أنَّنا لا نحملُ جوازًا واحدًا، ولا نسيرُ إلى وجهةٍ واحدة، ولا كُتبتْ لنا الأقدارُ على النسقِ ذاته.
والإنسانُ الذي عرفَ نفسَه حقَّ المعرفة، لا يُضيِّعُ عمرَه في مطاردةِ ظهورِ الآخرين، لا يرفعُ بصرَه ليرى مَن تجاوزه، بل ليُبصرَ الصورةَ التي يُريدُ أن يكونَ عليها غدًا. خصمُه ليس إنسانًا آخر، بل جهلُه، وضعفُه، وتردُّدُه، ونسختُه التي تركها خلفَه بالأمس. ولو كان في أوَّلِ الطريق، أو في أقصى القاع، لما شغلتْه قممُ الناس؛ لأنَّ عينَه مُعلَّقةٌ بقمَّتِه هو. فما أكثرَ مَن سبقوا الناسَ، ولم يبلغوا أنفسَهم، وما أقلَّ مَن بلغوا أنفسَهم، ثم اكتشفوا أنَّهم لم يكونوا يومًا في سباق.
ولعلَّ الحقيقةَ التي تستحقُّ أن تُقال في ختامِ هذا المقال، هي أنَّكَ لم تكن متأخِّرًا كما كنتَ تظن. لقد كنتَ فقط تنظرُ إلى ساعةٍ ليست ساعتَكَ. فمنذ أن جعلتَ الآخرينَ عقاربَ الوقت، فقدتَ القدرةَ على قراءةِ زمنِكَ الخاص. وليس في الحياةِ ساعةٌ واحدةٌ تُعلنُ للناسِ جميعًا أنَّ موعدَ الوصولِ قد حان؛ بل لكلِّ إنسانٍ توقيتٌ لا يليقُ إلا به، وطريقٌ لا يسلكه سواه، ونضجٌ لا يُستعار، وأقدارٌ لا تُقاسُ بخُطى أحد. فامضِ في طريقِكَ مُطمئنًا؛ فما فاتَ غيرَكَ ليس موعدَكَ، وما تأخَّرَ عنكَ ليس بالضرورةِ رزقًا سُلِبَ منك. سيأتيكَ ما كُتبَ لكَ حين تصبحُ أنتَ أهلًا له، لا حين يسبقُ إليه الناس. فدعِ الآخرينَ يعبرونَ طرقَهم، وامنح قلبَكَ شرفَ أن يعبرَ طريقَه هادئًا؛ فما خُلِقتَ لتسبقَ الجميع، بل خُلِقتَ لتبلغَ نفسَك.


سلمت أناملك ❤️🩹
رائع👏❤️