إنّ المرء لَغَالِبٌ كلّ ما يعتريه ويخطر على باله، ولكن حين يحين لقاء الذات ومواجهتها، يخسر الرهان، بل لا يطأ أرض المعركة قط. يتغافل عن الإشارات الصادرة من جسدٍ أنْهَكه التعب، وقلبٍ أضناه الضيق، وروحٍ أصابها الجفاف. يمرّ على الألم مرور سحابة صيف عابرة فوق أرضٍ تتوسّل الريّ. يرى الحطام ويشاهد القحط، ثمّ يتمّ المسير وكأنّ الأمر لا يعنيه. ولا يدرك أنّ هذا ليس قوةً، إنما هو هَدْمٌ صامتٌ لا يُسمع له صوتٌ إلا حين يَخِرُّ بنيانُ الروح بأسره كاملاً.
ومن هذا المنزلق الهادئ، يبدأ خداع الذات الأكبر، عِنْدَها يزيّنُ الإنسانُ ما يفعل ويخدع نفسَه بغياب المُدْرَكات، يبرّر أخطاءَه، فيُلبس الأنانيةَ لباسَ الحكمة، ويكسو الجبنَ ثوبَ الصبر، ويجعل من الكسلِ رداءَ الاتّزان. يعلمُ الضَّوء ويلحق بالظلال، ويعرف سبيل النَّجاة ثُمَّ يستمسكُ بالهلاك، يلقي نفسَه في وادي ما يكره، ويعلم أن روحه إنما خُلقت لِمَا تُحِبّ، ولكنَّه يُؤْثِرُ العادةَ على الحياة، ويُبْقِي على ما يؤذيه خشيةَ ما يجهل. يَفتَحُ أبوابًا قد آنَ إغلاقُها، ويُجاهِدُ لِبقاءِ ما كان رحيلُه رحمةً. يُحاصِرُه الوعي فلا يعتبر، وتُصَافِحُه العلامات فلا يبصر، كأنَّ بينه وبين الصواب حجابًا من خوفٍ قديم، أو عهدًا مع ألمٍ لا يَزُول.
يقف على باب التغيير، ولكنه يخشى عبوره، فيظلّ عالقاً بين ما يرغب فيه وما يخشاه، حتى يتحوّل ذلك الانتظار إلى مقبرةٍ صمّاء. هذا لأنَّك لم تُشفِق على قلبك يومًا، هذا لأنَّك ظننتَ أنَّ الصمود هو أن تمضي بلا توقُّف، وأن التغاضي عن الألم بطولة، وأنَّ الركض إلى المجهول يُشبه الحرية. ولأنَّك حين ضللتَ الطريق، لم تلتفت لتسأل: إلى أين؟ بل أكملت كما لو أنّ الاتجاه لا يعنيك، والمصير لا ينتظرك.
ويعجبُ المرءُ من نفسه؛ كيف تهوى روحه نورًا، ثم يسوقها عقلٌ مثقَلٌ بالتردّد إلى العتمة؟ وكيف يَعرِفُ الخيرَ معرفةَ اليقين، ثم يسلّمُ نفسَه لما يُطفئه ويجرحه؟ فليس البلاءُ دائمًا مما يأتي من الخارج، بل كثيرًا ما يخرج من داخله، من صوتٍ خافتٍ يُلبِّس الوهمَ ثوب الحكمة، ويجعل ما يُتعبه مألوفًا، وما يُنقِذه مُخيفًا. والمرءُ لا تَشقِيه إلَّا نَفسُهُ؛ فحاشا للحياة أن تكُون هي مصنع الألَم، بل النفس هي التي تفتحه أو تغلقه، ترضى به أو تتجاوزه، تهدمُ ذاتها أو تُقيمها من جديد.
يَظُنُّ المرءُ أن عدوَّه في غيره، وأن الشرَّ يأتيه من خارج ذاته، وهو لا يدري أن أعظم الخصوم همسًا وأشدّهم أثرًا هو ذاك الذي يسكنه. فكثيرًا ما يُخاصِم الناس، ويحمِلُ الأيام مسؤولية تعثّر خُطاه، وينسب الخيبات إلى الظروف، وهو لا يرى أن الشرارة الأولى خرجت من داخله؛ من خوفٍ لم يُعالجه، أو من جرحٍ لم يلتئم، أو من فكرةٍ مظلمة اتخذها مأوى. يمسي ويُصبحُ وهو يطارد أوهام أعداء لا وجود لهم، بينما العدو الحق يجلس في صدره هادئًا، ينسج القيود بخيوطٍ من شكّ، ويُقرِّب له العثرة ويُبعِد عنه الطريق. وما يُحرر الإنسان حقًّا إلا أن يعلم أن نجاته لا تكون بقتال الخارج، بل بمصالحة الداخل أولًا، فإن استقامت النفس، استقام كلُّ شيءٍ بعدها.
فإذا أدرك الإنسانُ ذلك، أحسَّ أن الطريق لم يكن خارجَه يومًا، بل كان يبدأ من صدره وينتهي إليه. وحين يُصالح نفسه بعد عداوةٍ طويلة، يشعر كأنَّ بابًا من نورٍ قد انفتح فيه، وكأنَّ الأشياء التي كانت ثقيلة صارت تخفّ، والأوجاع التي كانت تصرخ فيه صارت تهمس لتُرشده، لا لتجرحه. عندها يفهم أن أعظم انتصارٍ ليس على الناس، ولا على العالم، بل على تلك الظلال التي كانت تسكنه. ويعلم يقينًا أن الرحلة ليست إلى الحياة، بل إلى ذاته أولًا؛ فإذا عرف نفسه بحقّ، عرف الطريق، وهدأت الحرب، وصار قلبه مُقيمًا لا هاربًا، مطمئنًّا لا خائفًا.
فهنيئًا لِمَن صادق نفسه بعد خصام، ووقف معها في صفٍّ واحدٍ بعد طول حرب، فإنّه ما عاد عدوّها، بل صار حارسها. ومن عرف موقع العدو الحق، لم تُربكه المعارك بعدها، لأن النور مهما تأخر يغلب الظلال في النهاية.



أشكُرك على هذا العتاب الصادق الذي لم يلتف حول المُعضلة بل خطى بجُرأةٍ نحوها ، عتابٌ لا يُبررُ شيئًا ولا يُجمله بل يقول الحقيقة ببساطة، وبتفصيلٍ رائع ..
كلماتُك تركت اثرًها بوُد ، شُكرا لك .
الذي عاش الصراع الداخلي مع نفسه سيفهم ويرى نفسه في هذا المقال ،وعن تجربة أفضل ما يجب أن يفعله الشخص أن يفهم ذاته ويحاور نفسه ويجادلها أحياناً ،لكن في نهاية الأمر سوف ينجو من هذا الصراع ولن يعد يرى نفسه إلا رقم واحد في أولوياته.