الإدراكُ الزَّائِد لا يُنقِذ بل يُثقِل
من استعجَلَ اليقين عاشَ مُثقلاً بِه
إنَّ في النفسِ لَجنوحاً مريباً، ونزوعاً إلى الردى عجيباً؛ إذ تضلُّ الأقدامُ والبوصلةُ في القبضةِ قائمة، وتزيغُ البصيرةُ والسبيلُ أمامَ العينِ لائح. وما السقوطُ في غيابةِ الفخِّ إلا شهوةٌ من استيقان، ورغبةٌ في قطعِ دابرِ الظنِّ بالخبرِ اليقين. فنحنُ لا نغشى المهالكِ عن عَمىً، بل نبصرُ الهاويةَ بعينِ الحقِّ، ونستشعرُ نذيرَها في العروقِ خَدراً ووجيباً، ثم نندفعُ إليها بظمأٍ لا يرويهِ انحباس، كأنَّ في حُطامِ الجسدِ نجاةً للروحِ من سجنِ التخمين.
وما كانَ السقوطُ إلا لرفضِ نجاةٍ يَمُنُّ بها الخوفُ المذموم، واختياراً لهويٍّ يحطمُ مرآةَ الشكِّ الموهوم؛ لنلمسَ بأيدينا قاعَ الحقيقةِ وإن كانت جحيماً، ونبصرَ بعيوننا نصلَ الواقعِ وإن كان أليماً. فما هو بجهلٍ في المسالك، بل “سَورةُ اليقين”؛ تلك التي تُلهمُ النفسَ أن تحترقَ بالوجد، لتتأكدَ أنَّ النارَ التي أبصرتها القلوبُ كانت حقاً مستبيناً، ولم تكن سراباً خادعاً أو خيالاً مهيناً. فما ننتظرُ وقوعاً، بل نسعى للوقوعِ سعيَ المُبصِر، لنقيمَ على صدقِ قلوبنا الحُجَّة، ولو كان الثمنُ ألا نؤوبَ من تلك اللُّجّة.
وإنَّا لجامِحُون بامتياز، نلقي بالأرواحِ على منضدةِ الشكِّ إلقاءً؛ لا طمعاً في مغنمٍ زائل، بل زهداً في قلقٍ حائل. إنها لذةُ الانكشافِ المُرّ، حين يستبينُ للمرءِ أنَّ مخاوفَهُ لم تكُ كاذبة، وأنَّ ظنونَهُ كانت صادقةً ثاقبة. فما بالُنا نمضي إلى الهاويةِ ونحنُ نرقبُ منتهاها؟ ذلك بأنَّ يقينَ الجرحِ أحبُّ إلينا من ريبةِ الوجل، وقسوةَ الفصلِ آثرُ عندنا من تَمادِي الأمل. نذهبُ إلى الحتفِ في أتمِّ زينة، لا جهالةً ولا مَينا، بل لنروّضَ الحقيقةَ ترويضاً، ونمسحَ عن وجهِ الواقعِ لثامَهُ، حتى حتى لا يبقى بيننا وبينهُ حجاب.
فيا ليتَ الفؤادَ ظلَّ في عمائهِ محجوباً، وما نفعُ هذه الحاسّةِ إن كان الخرابُ بها مكتوباً؟ إنها لا تعملُ كدرعٍ يقِي، بل كمرآةٍ تجلو القُبحَ ليتّقي؛ ترينا بشاعةَ السقوطِ قبلَ الارتطام، وتصوّرُ لنا الفجيعةَ قبلَ التمام، ومع ذلك تظلُّ الإرادةُ أمامَ غوايةِ الكشفِ مغلولة، والأقدامُ نحو حتفِها محمولة. نحنُ ضحايا هذا الوعيِ الفائض، وعيٌ يجعلنا نرقبُ غرقنا ببرودٍ مذهل، ونعدُّ أنفاسنا الأخيرةَ بقلبٍ مثقل، ننتظرُ تلك اللحظةَ التي يصطدمُ فيها الكيانُ بالقاع، لنهمسَ في حشرجةِ الوداع: أكانَ نذيرُ الفؤادِ حقاً مبيناً، أم كانَ ضِغاثَ أوهامٍ وكيداً متيناً؟
وختامُ القولِ ومُنتهاه، أنَّ الإنسانَ رهينُ اختيارِه، وحجيجُ ذاتِهِ؛ لا يُساقُ إلى هلاكِهِ سَوْقاً، بل يأتيهِ طوعاً واشتياقاً. فليست الفخاخُ هي التي تقتنصنا، بل وعينا هو الذي يختارُ السَّجنَ ليختبرَ قوَّةَ القيد. لقد رضينا بالاحتراقِ ثمناً للإنارة، وبالانكسارِ مهراً للاستبصار. فلا نجاةَ لمن أرادَ أن يلمسَ جوهرَ الأشياء، ولا عزاءَ لمن آثرَ بَرْدَ اليقينِ على سلامةِ العمى. هي قصةُ كائنٍ أبى أن يعيشَ بـ “ربما”، فماتَ وهو يرتدي الحقَّ كفناً، مُخلداً في ذمَّةِ الحقيقةِ كبصيرٍ آثَرَ أن يَقضيَ نحبَهُ استجلاءً للمُنتهى، لا يبتغي نجاةً من خِداع، بل يبتغي مَوْتاً على بَيّنة.


أجدتَ رصفَ الحروف حتى غدت مِرآةً تجلو خبايا الروح في أبهى وأقسى صورها؛ فقد صُغتَ من "فلسفة السقوط" ملحمةً بيانية تليقُ بوعيٍ لا يرضى بأنصافِ الحقائق ، وأكثرُ ما استوقفني بذهولٍ شاعري هو تصويرك لذاك الجموح الذي يجعلنا نختارُ "يَقين الجرح على ريبة الوجل" فهي عبارةٌ تختصرُ مأساة الإنسان الذي يُحرقُ أصابعه ليتأكد من حقيقة النار، ويحتضنُ الهاوية ليقتل "رُبما" القاتلة ، لقد برعتَ في وصفِ تلك اللحظة الانتحارية التي يصبح فيها التحطّم هو السبيل الوحيد للنجاة من سجن التخمين، بأسلوبٍ باذخ الفخامة، يجمعُ بين رصانة اللفظ وعمق المعنى، وكأنك لا تكتبُ نصاً، بل ترسمُ بمداد الوجدان ملامحَ حقيقتنا العارية!
بل إنَّ في الروح وإن جار بها الوعي وأثقلها الإدراك، نزعةً أخرى لا تقلُّ صدقًا ولا تقلُّ وجعًا، نزعة من يرى الهاوية فيختار الوقوفَ على حافتها لا ليهوي، بل ليقيسَ عمقها، ويعود وقد ازدادَ بصيرةً لا احتراقًا.
إنَّ في النفسِ شجاعةً أرقى من شجاعةِ السقوط، شجاعةَ الاستقامة دون الارتماء، وإنَّا، وإن كُنَّا أبناءَ وعيٍ مُرهق، لسنا محكومين بأن نكونَ قرابينَه.
فالذي يقفزُ ليقطعَ دابرَ الشك، قد قطعَ معه دابر الحياة، والذي يَصبر على الشكِّ، قد منحَ الروحَ فرصةَ أن تتخلّقَ اليقين دون أن تُسحَق.
قد يحدث أن تُحدِّقَ في الهاوية طويلًا، حتى ترتجفَ فيك الرغبة، ثم تنسحب!
لسنا مضطرين أن نموتَ على بيّنة كي نكونَ صادقين
وقد نعيش على بصيرةٍ ناقصة لكنها رحيمة!
وقد نختارُ ألّا نلبسَ الحقَّ كفنًا
بل رداءً هشًّا نُرقّعهُ كلما انكشفَ لنا خيطٌ جديد.
هكذا يكون الإنسان حرًّا حقًا:
لا حين يركض إلى الهاويةِ بعينين مفتوحتين،
بل حين يستطيعُ أن يقول لها - وهو يراها -
ليس الآن، وليس بهذا الثمن….
أوار —— نصٌّ فذ لكاتبة فذّة!
هززتِ قريحة لفكرة ظلت تطاردني في اليومين الفائتين بلا مخرج،
كنتُ أدورُ حولها ولا أبلغُها، حتى جئتِ أنتِ بنصك فسمّيتها، ووضعتِها في موضعها، ووصفتِها بحذافيرها كما لو أنكِ استخرجتِها من صدري!
وعندها أضاء الاستنتاج الذي كنت أتحسّسه دون يقين: نحنُ لا نُقاسي نارَ الحقيقةِ المُرّة لولعنا بويلاتها، بل بحثًا عن بصيرةٍ تمنحنا شجاعة التوقُّف…